الصفحة 125 من 142

و ننتقل إلى المعاصرين فنجد الباحث عبد الرحمن الشعلان في رسالته العلمية [أصول فقه مالك النقلية] 3/ 769، يعرف المراد بالعمل قائلا: (هو ما اتفق عليه العلماء والفضلاء بالمدينة كلهم، أو أكثرهم، في زمن مخصوص، سواء أكان سنده نقلا أو اجتهادا) . منقول بواسطة.

وبعد فشرح ما تقدم، وبيان مراتب العمل التي ذكرها أهل العلم، وأي المراتب حجة عند الإمام ومن سبق الإمام في الاحتجاج بالعمل، وأدلة كل ذلك، وذكر آراء المخالفين والمنتقدين للعمل، بدأ بالإمام الليث، ومحمد بن الحسن والشافعي، وانتهاء بابن حزم وغيرهم- رحمهم الله- وبيان معاني مصطلحات الإمام التي ذكرها في الموطأ للدلالة على عمل أهل المدينة، وهل كلها فعلا يدل على العمل، ثم هل هو عمل مجمع عليه من أهلها، أو من أغلبهم، أم أن منها ما يدل على ذلك ومنها ما يدل على أمر اختاره الإمام من آراء علماء المدينة واجتهاداتهم، ومن هم أهل المدينة المحتج بعملهم، وإلى أي زمن هو الاحتجاج، هل يقتصر على الصحابة والتابعين، أم يشمل من وجد في زمن مالك، أم هل يستمر حتى بعد مالك، كما ألمح إليه الجو يني خطأ؟؟ قلت: الكلام المفصل على كل تلك المباحث وغيرها يستدعي كتابة علمية مستقلة، تخرج بنا عن غرضنا الذي نحن بصدده، فلنترك الكلام في هذا - على أهميته- على أن أعود لذكر بعضه، متى ما احتجت لذلك، وفيما كتبه أهل العلم من القدماء والمعاصرين غنية في هذا.

نعود الآن - بعد هذا الإجمال- لكلام الشيخ محمد الأمين، فنجده يقول: واشترط جمهور المالكية للعمل بالحديث الصحيح أن لا يَكُوْن مخالفًا لعمل أهل المدينة. وَقَدْ فند أدلتهم ابن حزم من وجوه حاصلها:

1 -إن الخبر المسند الصَّحِيْح قَبْلَ العمل بِهِ، أحق هُوَ أم باطل؟ فإن قالوا: حق، فسواء عمل بِهِ أهل المدينة أم لَمْ يعملوا، لَمْ يزد الحقَ درجةً عملُهُم بِهِ وَلَمْ ينقصه إن لَمْ يعملوا بِهِ، وإن قالوا باطل، فإن الباطل لا ينقلب حقًا بعملهم بِهِ، فثبت أن لا معنى لعمل أهل المدينة أو غيرهم.

2 -العمل بالخبر الصَّحِيْح متى أثبت الله العمل بِهِ، أقبل أن يعمل بِهِ أم بَعْدَ العمل بِهِ؟ فإن قالوا: قَبْلَ أن يعمل بِهِ، فَهُوَ كقولنا. وإن قالوا: بَعْدَ أن يعمل بِهِ، لزمهم عَلَى هَذَا أن العاملين بِهِ هم الَّذِيْنَ شرعوا الشريعة، وهذا باطل.

3 -نقول: عمل من تريدون؟ عمل أمة مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - كافة، أم عمل عصر دُوْنَ عصر، أم عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أم أبي بكر، أم عمر، أم عمل صاحب من سكان المدينة مخصوصًا؟ فإن قالوا: عمل الأمة كلها، فَلاَ يصح. لأن الخلاف بَيْنَ الأمة مشتهر، وهم دائمو الرد عَلَى من خالفهم. فلو كَانَتْ الأمة مجمعة عَلَى هَذَا القول، فعلى من يردون؟! وإن قالوا: عصر دُوْنَ عصر، فباطل أيضًا، لأنَّهُ ما من عصر إلا وقَدْ وجد فيه خلاف، ولا سبيل إِلَى وجود مسألة متفق عَلَيْهَا بَيْنَ أهل عصر.

4 -ونقول لَهُمْ: أهل المدينة الَّذِيْنَ جعلتم عملهم حجة رددتم بِهَا خبر المعصوم، اختلفوا فِيْمَا بَيْنَهُمْ أم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت