فهرس الكتاب
ثم يقول: واشترط جمهور المالكية للعمل بالحديث الصحيح أن لا يَكُوْن مخالفًا لعمل أهل المدينة. وَقَدْ فند أدلتهم ابن حزم من وجوه حاصلها
قلت: هذه الفقرات الثلاث كلها، وما تقدمها في المقال - مع اختلاف عباراتها - المعنى فيها واحد، وإنما الشيخ يكرر ذلك لمعنى أراده، وما هو ببالغه - إن شاء الله -.
وليكن معلوما للشيخ الفاضل - حتى تطمئن نفسه- أن الإمام مالكا كما لم يكن بدعا في احتجاجه بعمل أهل المدينة، هو كذلك هنا ليس بدعا في رده لخبر الواحد إذا خالف العمل المتوارث بمدينة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- حيث هبط الوحي، وتنزلت الأحكام، فاسمع يا شيخنا - هدانا الله وإياك لما فيه الخير-. بعض ما ذكره الإمام عياض في المدارك 1/ 45 - 46:
قال مالك: وقد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدثون بالأحاديث، وتبلغهم عن غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على غيره.
قال ابن المعذل: سمعت إنسانا سأل ابن الماجشون: لما رويتم الحديث ثم تركتموه؟ قال: ليعلم أنا على علم تركناه.
قال ابن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث. وقال أيضا: إنه ليكون عندي في الباب الأحاديث الكثيرة فأجد أهل العرصة على خلافه فيضعف عندي، أو نحوه.
وقال ربيعة: ألف عن ألف أحب إلىّ من واحد عن واحد؛ لأن واحدا عن واحد ينتزع السنة من أيديكم.
وذكر البيهقي في مناقب الشافعي 1/ 526 عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي - رضي الله عنه - في شيء ناظرته فيه: والله ما أقول لك إلا نصحا: إذا وجدت أهل المدينة على شيء فلا يدخلن قلبك شك أنه الحق، وكل ما جاءك - وإن صح وقوي كل القوة ولم تجد له بالمدينة أصلا وإن ضعف- فلا تعبأ به، ولا تلتفت إليه.
هذه بعض أقاويل أهل العلم فيما تدندن حوله - أيها الشيخ- وقد تركت مثلها، فلماذا تحمل فيها على مالك وحده، وما اشتهر عن مالك ذلك إلا لما ابتلي به من كثرة الإفتاء، ولأنه دون بعض ما أفتى به معتمدا على عمل أهل المدينة، وكان أشهر من أخذ بذلك فنسب إليه.
ثم هذه أقاويل عن بعض كبار أهل العلم تبين مراتب خبر الواحد مع عمل أهل المدينة، وتشير إلى ما نزع إليه الإمام في تقديمه العمل على الأخبار، ومن وافقه من أهل العلم في ذلك.
قال الإمام الشاطبي - رحمه الله - في الموافقات 3/ 252 - 289 باختصار شديد، وتصرف يسير: (كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريا، أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما، أو لا يثبت به عمل، فهذه ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون معمولا به دائما أو أكثريا؛ فلا إشكال في الاستدلال به ولا في العمل على وفقه، وهي السنة المتبعة والطريق المستقيم ...
الثاني: أن لا يقع العمل به إلا قليلا أو في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال، ووقع إيثار غيره والعمل به دائما أو أكثريا، فذلك الغير هو السنة المتبعة والطريق السابلة، وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلا؛ فيجب التثبت فيه وفي العمل على وفقه، والمثابرة على ما هو الأعم والأكثر ... ولكنها على ضربين: أحدهما: أن يتبين فيه للعمل القليل وجه يصلح أن يكون سببا للقلة حتى إذا عدم السبب عدم المسبب ...