فهرس الكتاب
الضرب الثاني: ما كان على خلاف ذلك ولكنه يأتي على وجوه:
منها: أن يكون محتملا في نفسه فيختلفوا فيه بحسب ما يقوى عند المجتهد أو يختلف في أصله، والذي هو أبرأ للعهدة وأبلغ في الاحتياط تركه، والعمل على وفق الأعم والأغلب ...
إلى أن يقول بعد كلام طويل وتفصيل أصيل: (ومن هذا المكان يتطلع إلى قصد مالك - رحمه الله - في جعله العمل مقدما على الأحاديث؛ إذ كان إنما يراعي كل المراعاة العمل المستمر والأكثر ويترك ما سوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث، وكان ممن أدرك التابعين وراقب أعمالهم، وكان العمل المستمر فيهم مأخوذا عن العمل المستمر في الصحابة، ولم يكن مستمرا فيهم إلا وهو مستمر في عمل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- أو في قوة المستمر) .
ثم ذكر القسم الثالث: أن لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال، فهو أشد مما قبله، والأدلة المتقدمة جارية هنا بالأولى ... ) فانظره كاملا، فهو من بديع القول.
وقال القاضي عياض - رحمه الله:(ولا يخلو عمل أهل المدينة مع أخبار الآحاد من ثلاثة أوجه: 1 - إما أن يكون مطابقا لها، فهذا آكد في صحتها إن كان من طريق النقل، أو ترجيحها إن كان من طريق الاجتهاد بلا خلاف في هذا، إذ لا يعارضه هنا إلا اجتهاد آخرين وقياسهم عند من يقدم القياس على خبر الواحد.
2 -وإن كان مطابقا لخبر يعارضه خبر آخر، كان عملهم مرجحا لخبرهم، وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت، وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ومن تابعه من المحققين من الأصوليين، والفقهاء المالكية وغيرهم.
3 -وإن كان مخالفا للأخبار جملة، فإن كان إجماعهم من طريق النقل ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا، ولا التفات إليه، إذ لا يترك القطع واليقين لغلبة الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه الخلاف، كما ظهر هذا للمخالف المنصف فرجع، وهذه نكتة المسألة، كمسألة الصاع والمد، والوقوف، وزكاة الخضروات وغيرها.
وإن كان إجماعهم اجتهادا قدم الخبر عليه عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم بين أصحابنا.
4 -فأما إن لم يكن ثم عمل بخلاف ولا وفاق، فقد سقطت المسألة، ووجب الرجوع إلى قبول خبر الواحد، كان من نقلهم أو نقل غيرهم، إذا صح ولم يعارض، فإن عارض هذا الخبر الذي نقلوه خبر آخر نقله غيرهم من أهل الآفاق؛ كان ما نقلوه مرجحا عند الأستاذ أبي إسحاق وغيره من المحققين، لزيادة مزية مشاهدتهم قرائن الأحوال، وتقعدهم لنقل آثار الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم- وأنهم الجم الغفير، عن الجم الغفير، عنه) .
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله- بعد أن قرر حجية المرتبتين الأوليين من إجماع أهل المدينة - حسب تقسيمه- وهما: العمل النقلي، والعمل القديم قبل مقتل الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه - قال: (المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح، و أحدهما يعمل به أهل المدينة؛ ففيه نزاع: فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة.