الصفحة 130 من 142

ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما - وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل- أنه لا يرجح، والثاني - وهو قول أبي الخطاب وغيره- أنه يرجح به، قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى [كذا في المطبوع والظاهر روى] أهل المدينة حديثا وعملوا به فهو الغاية.

وكان يفتي على مذهب أهل المدينة ويقدمه على مذهب أهل العراق تقريرا كثيرا، وكان يدل المستفتي على مذاهب أهل الحديث ومذهب أهل المدينة، ويدل المستفتي على إسحق وأبي عبيد وأبي ثور، ونحوهم من فقهاء أهل الحديث، ويدله على حلقة المدنيين حلقة أبي مصعب الزهري ونحوه، وأبو مصعب هو آخر من مات من رواة الموطأ عن مالك، مات بعد أحمد بسنة، سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وكان أحمد يكره أن يرد على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي، ويقول: إنهم اتبعوا الآثار.

فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقول أهل المدينة). مجموع الرسائل 20/ 309 - 310، وانظر مثله في المسودة 313.

هذا أكثر ما يمكن أن يذكر في هذا المقام، فلو أضفت أيها القاري الكريم ما تقدم نقله عن بعض أهل العلم في الاعتذار عن كل من خالف الحديث الصحيح من الأئمة، ولاحظت فوق ذلك ما اشتهر عن الإمام مالك من شدة تعظيمه للسنة واحتفائه بها، وترك معارضتها بالرأي، ثم ما أجمع عليه الناس من عدالته وديانته، تبين لك بجلاء تهافت ما يحاوله الشيخ -هنا- من نسبة الإمام لمخالفة السنة ظلما وعدوانا.

تعليقات سريعة

الأول: قول الشيخ: وخالف مالك الكثير من الأحاديث الصحيحة التي رواها في موطئه، زعمًا أنها مخالفة لإجماع أهل المدينة. وتتبع ذلك ابن حزم في رسالته في الرد على إجماع أهل المدينة في"الإحكام" (2\ 222) ، وبَيَّنَ فيه أنه ليس من حديث ردوه إلا وقد عمل به أحدٌ من أهل المدينة. وبيّن كذلك بطلان كل أدلة الاحتجاج بعمل أهل المدينة عقلًا وشرعًا

قلت: أما المخالفة فمسلمة، ولكن ليست كثيرة كما يدعي، وليست كلها لمخالفة العمل، فمن أمثلة الأخيرة أفضلية الصوم للمسافر التي قال بها مالك إنما هي لتقديمه ظاهر القرآن على الآثار حيث اختلفت، وأما الأول: فالمسائل التي قال فيها الإمام: [الأمر المجتمع عليه عندنا] نيف وأربعون مسألة، وتحديدا ثمان وأربعون مسألة كما ذكر ابن حزم في موضع آخر من الإحكام، قال: الخلاف موجود في أكثرها بين أهل المدينة، والأقل لا خلاف فيه.

قلت: فلو افترضنا أن القليل عشر من تلك المسائل، فالباقي ثمان وثلاثون مسألة، فلو جعلنا أمام كل مسألة حديثا، فيكون عدد الأحاديث التي خالفها الإمام - حسب رأي الشيخ، وما ثم مخالفة حقيقة، لأنه تحول من دليل إلى آخر حسب اجتهاده - هو عدد تلك المسائل، فإذا علمت أن الأحاديث المسندة الصحيحة في الموطأ حسب تعداد ابن حزم- وليس غيره - أربعة عشر حديثا وخمسمائة حديث، فتكون نسبة الأحاديث التي ترك الإمام العمل بها من جملة الأحاديث التي أخرجها في الموطأ أقل من ثمانية في المائة، فإذا حسبنا مع الأحاديث المسندة المراسيل - وهي حجة عند مالك ومن تقلد مذهبه- وعلمنا أن تعدادها عند ابن حزم ثلاثمائة، فستصل النسبة إلى أقل من ستة بالمائة. فهل هذا من الكثير؟ ربما. وكل ذلك من باب الافتراض أما إذا رجعنا إلى الواقع فالأمر الذي يزعمه الشيخ أقل من ذلك بكثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت