الصفحة 131 من 142

وما ادعاه الشيخ من تتبع ابن حزم لتلك المسائل التي خالف فيها الإمام الحديث الصحيح لإجماع أهل المدينة، فلم أجده في مبحث الرد على من ادعى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة، وإنما ذكر ابن حزم الكثير من الأحاديث التي ترك الإمام العمل بها بحجية عدم العمل بها، في فصل إبطال ترجيح الحديث بعمل أهل المدينة ... في الجزء الثاني من مصورة دار الآفاق 97.

والمسائل هناك تتعدى الثلاثين بمسألة واحدة تقريبا، وليس كلها مما تركها الإمام بسبب مخالفة إجماع أهل المدينة للخبر. والتفصيل يصعب هنا. وقد ألف القاضي أبو إسحاق ابن عبد الرفيع ت 733 هجرية، صاحب كتاب [معين الحكام] كتابا يرد على ابن حزم في هذا المسائل خاصة، ولا أعرف مصير هذا الكتاب.

وقول الشيخ: وبين كذلك بطلان كل أدلة الاحتجاج بعمل أهل المدينة عقلا وشرعا، قلت: بل قولك هذا هو الباطل شرعا وعقلا، لأن من العمل ما هو منقول بالتواتر من عمل رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وفعله وإقراره، فكيف يبطله ابن حزم أو غيره عقلا وشرعا؟!!

وقول الشيخ فيما أضافه على مقاله: ورد مالك للحديث الصحيح بدعوى مخالفة العمل ...

قلت: هذا الكلام ذكره الإمام الحطاب - رحمه الله- في شرحه على المختصر الخليلي عند قوله في باب القضاء: [وحكم بقول مقلده] 6/ 96. وأصل الكلام في العتبية، قال فيها: (وحدثني أن محمد بن أبي بكر بن حزام [كذا في المطبوع] كان قاضيا وكان أخوه عبد الله بن أبي بكر كثير الأحاديث، وكان رجل صدق، فكان إذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مخالفا للقضاء يقول له أخوه: لم يأت في هذا حديث كذا وكذا، قال: بلى، قال: فما لك لا تقضي؟ قال: فأين الناس عنه؟ يريد بذلك أن العمل أثبت من الأحاديث) . البيان والتحصيل 17/ 331، و604. وهذه أخرى لسلف مالك في تقديم العمل المتوارث على خبر الواحد، فتنبه.

وكلام علماء المالكية في تقديم العمل على الخبر عند ظن التعارض= أشهر من أن نذكره، وهو مستفيض مشهور في كتبهم، ولكن الشيخ آثر هذا النص دون ما سواه لما له من وقع في نفوس الطلبة وغيرهم ممن سيقرأ مقاله، وهو يريد بذلك أن يظهر الإمام بصورة المخالف للحديث الصحيح، وأما كلمة خبر الواحد، أو الأثر، فلا يحصل بهما ما يحصل بكلمة الحديث الصحيح، وإن لم يكن عندنا فرق بينهما، ولكن الذي كثر استعماله في هذا المقام هو لفظ الخبر، أو الأحاديث، أو الأثر، والذي أكاد أجزم به أن هذا الكلام من الحطاب، إما أن يكون نقله من ابن رشد في شرحه لكلام الإمام، وإما أن يكون من لفظه - رحمه الله- ذكره على المعنى، وهو صحيح لا ننكره، ولكن المشكلة في تخير الألفاظ التي يعبر بها الإنسان عن مراده.

وقوله: واشترط جمهور المالكية ... قلت: بل كلهم على تقديم العمل المتوارث على الخبر، بلا خلاف، وأما العمل الاجتهادي ففيه الخلاف.

ثم ذيل الشيخ كلامه السابق بقوله: ومع ذلك فقد رفعه أتباعه لمرتبة كبيرة جدًا، وبالغوا في ذكر علمه ومعرفته. يذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (8\ 76) : عن ابن وهب سمعت مالكًا وقال له ابن القاسم: «ليس بعد أهل المدينة أحد أعلم بالبيوع من أهل مصر» . فقال مالك: «من أين علموا ذلك؟» . قال: «منك يا أبا عبد الله» . فقال: «ما أعلَمُها أنا، فكيف يعلمونها بي؟!» . فإذا كان الناس في عصره ينسبون له فتاوى ما قالها، فما بالك بعد موته؟

قلت: سبق الكلام عن مدح الأتباع، وأن المالكية في هذا أخف من غيرهم، ولا يسلم بعضهم من مبالغة غير محمودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت