فهرس الكتاب
(10\ 132) : «وذهب الإمام مالك إلى أن أقصى مدة الحمل سبع سنين! فلو طلَّق الرجل امرأته أو مات عنها، فلم تنكح زوجًا آخر، ثم جاءت بولد بعد سبع سنين من الوفاة أو الطلاق، لحقه الولد، وانقضت العدة به!» .
قلت: - والله المستعان- لم يبين لنا الشيخ مراده بالغرابة، ولن نبحث نحن في هذا، وما ذكره من أمثلة لم يذكر معها مَن ِمن علماء عصر الإمام أنكرها عليه، وإنما ذكر لنا إنكار ابن حزم في مسألتين، وثالثة الأثافي عمى الشيخ خبر من أنكرها، وحق له ذلك لإطباق المسلمين على إنكارها والإمام واحد منهم.
وأنا هنا لن أناقش الشيخ في هذه المسائل التي ذكرها، ومن أصاب فيها ومن أخطأ، فهذا له مقام آخر.
وإنما أذكر هنا بعض التعليقات السريعة على كلامه، لأبين مدى تحامل الشيخ وتجنيه على الإمام.
الأول: قوله: فقد أفتى بأن الحمل قد يستمر ... قلت: وعلى هذا جماهير أهل العلم، من المالكية والحنفية والحنابلة والشافعية وغيرهم، يرون أن الحمل قد يزيد في بطن أمه على التسعة أشهر المعتادة فمنهم من قال: أقصى الحمل سنة واحدة [وهو ما أخذت به معظم القوانين العربية اليوم، وهو رأي ابن عبد الحكم من المالكية] ومنهم من قال: سنتان ومنهم من قال: ثلاث، ومنهم من قال: أربع، وخمس وسبع، ومنهم من قال: لا حد لأقصى الحمل. فلماذا يستغرب هذا من مالك خاصة؟ ولماذا يعمي الشيخ على القراء أقاويل أهل العلم في هذا؟ راجع مثلا تحفة المودود لابن القيم ص 432 - 439، طبعة أبي أسامة سليم الهلالي.
الثاني: قوله: ولقد سخر منه بعض خصومه ... تقدم أن السخرية ليست من أخلاق المسلمين، ومن اتصف بها يحتاج إلى توبة. ولم يحدد الشيخ من هم بعض الخصوم الذين سخروا من الإمام في هذا، و لعل ما نقله عن ابن حزم يوحي بأنه المقصود، ولكن بالرجوع إلى كلامه في المحلى 10/ 316، وجدته ذكر أقاويل أهل العلم في أقصى مدة الحمل وردها، واحتج لقوله: إن أقصى الحمل تسعة أشهر، وما سخر من أحد - رحمه الله - فلا أدري من يعني الشيخ بذلك، وإن كان لي أن أجتهد في هذا، فلا أرى إلا أن الشيخ يعني بذلك نفسه، أو يعني ذلك الشيعي الضال، المسمى علي آل محسن، حيث ذكر هذه المسألة في كتابه [مسائل خلافية حار فيها أهل السنة] في فصل فتاوى غريبة عند أهل السنة، (ويبدو أن الشيخ من هنا أخذ لفظة فتاوى غريبة) وقال نفس العبارة التي نسبها الشيخ محمد الأمين لابن حزم، ولكن الشيعي جعل هذا من كلامه، ولم يصرح بنسبته لابن حزم، وأحال في الهامش على المحلى في نفس الجزء والصفحة اللتين ذكرهما الشيخ محمد الأمين 10/ 132، وبمراجعة الجزء والصفحة في النسخة التي قام على طبعها الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - لم أجد هذا النص، وهي نفس النسخة التي نقل منها الشيخ محمد الأمين سابقا عن ابن حزم في مقاله هذا في مسألة اشتراط الولي في النكاح للشريفة والدنيئة.
الثالث: قوله: وهذا قولٌ شنيعٌ مخالفٌ للنقل والعقل معًا، ومخالف للثابت من العلم. فقد قال الله عز وجل (وهو أدرى بخلقه) : { ... وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ... } (15) سورة الأحقاف. طالما أن مجموع الحمل والفصال هو ثلاثين شهرًا (سنتين ونصف) فمدة الحمل أقل من ذلك قطعًا. فمن ادعى مدة حمل أكثر من ذلك فقد رد كلام الله عز وجل، والعياذ بالله. وقد قال الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ... } فبعد ذلك إن بقيت المرأة ترضع ولدها فليست تلك من الرضاعة الشرعية. ولا يشك عاقل أن الآية عامة تشمل كل الحالات. وما كان ربك نسيًا. ومنها استنتج الفقهاء بأن أقصر مدة للحمل هي ستة أشهر، ونقلوا الإجماع على ذلك.