فهرس الكتاب
فكيف يصدق بعض الفقهاء نسوة جاهلات في أن مدة الحمل لوحدها قد تجاوزت الثلاثين شهرًا وبلغت سنين طويلة؟! مع أن الأولى أن يحمل قولهن على الحمل الكاذب، وهو معروفٌ لدى الأطباء ومشهور. والثابت القطعي في الطب الحديث استحالة ولادة طفل حي بعد العشرة أشهر. فلله در ابن حزم حين قال: «فمن ادعى حملًا وفصالًا في أكثر من ثلاثين شهرًا، فقد قال بالباطل والمُحال، وردّ كلامَ اللهِ عزَّ وجلَّ جهارًا» . وأما نحن فنصدق الله عز وجل ونكذب من قال غير ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قلت: العجيب أن الشيخ يبالغ في التشنيع على الظاهرية، ثم تراه يكثر من الاحتجاج بهم وبأقوالهم
ولا أدري ما وجه شناعة مع عليه جماهير أهل العلم، ولا وجه مخالفته للعقل، وبهذه الدعوى الباطلة ردت شرائع كثيرة، وأما مخالفة النقل، فهذا بناء على فهم الشيخ ومن قلده لما ورد في الكتاب العزيز، وأما عند أهل العلم فلا مخالفة، والمسألة اجتهادية خلافية منذ عرف الناس العلوم والمعارف، وليس في كتاب الله دليل قاطع على شيء في أكثر الحمل، ولو راجع الشيخ كتب التفسير في قوله تعالى: (والوالدات يرضعن ... ) الآية، وقوله سبحانه في سورة الرعد: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى ... ) الآية، ثم قوله عز من قائل: (وحمله وفصاله ... ) الآية علم صدق ذلك. والعجب من الشيخ يدعي القطع في أن مدة الحمل والفصال لاتزيد على ثلاثين شهرا، ثم يقول بعد أسطر: والثابت القطعي في الطب الحديث استحالة ولادة طفل حي بعد العشرة أشهر. فما بالهم زادوا شهرا على الثلاثين؟ وما بال الحمل زاد على التسعة؟ وما كان ينبغي أن يزيد على التسعة عند من تحتج به، أعني علامة الأندلس ابن حزم - رحمه الله- المحلى 10/ 316 وإذا كان كذلك فلا قطع - بارك الله فيك - و إنما هو الاجتهاد، والنظر إلى الوقائع، ودلالة القرآن على أقل مدة الحمل بضميمة آية الأحقاف مع آية البقرة هو من دلالة الاقتران المعروفة في أصول الفقه، ودلالتها ظنية لا قطعية كما يعلم في مظانه. ورد احتجاج ابن حزم هنا ليس من غرضنا، وقول الشيخ محمد الأمين: وأما نحن فنصدق الله عز وجل، ونكذب من قال غير ذلك، ولاحول ولا قوة إلا بالله.
وإنا كذلك نصدق ربنا سبحانه في قوله، ونكذب من قال عليه سبحانه ما لم يقله، ونحمد الله أن لم يسلم أمرنا إليه، ولم يكن معولنا في معرفة أحكامه عليه، إذا لضاعت حقوق كثيرة، وحكم بخيانة من ائتمنهن الله على فروجهن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا وقد كتب في هذه المسألة العلامة الفقيه الشيخ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي صاحب كتاب [الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي] رسالة، أسماها [القول الفصل في أدلة أقصى الحمل ورد من زيف كلام الفقهاء بكلام الأطباء، والرد عليه بكلام أطباء آخرين] طبع ملخصها بسلا - المغرب 1357 هجرية، انتصر فيها لجواز تطاول مدة الحمل لأكثر من تسعة أشهر، وقد ذكر في ملخص هذه الرسالة أنه وقف على رسالة طبعت بتونس في المطبعة الرسمية سنة 1309 هجرية، لمحمد بن العربي الجزائري كان قدمها لمجمع الأطباء بباريس، نال بها شهادة البراعة الطبية، سفه فيها آراء الأطباء الذين يزعمون هذا الزعم ويفضحون الأعراض.
والشيخ محمد الحجوي من فقهاء هذا العصر، ليس بالجامد ولا من أصحاب التعصب المقيت، ومن قرأ كتابه الفكر السامي تبين له ما أقول، وللأسف الشديد لم تطبع أغلب كتبه ورسائله، له ترجمة حافلة في كتاب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله- [تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر وآثارهم الفقهية] .
الرابع: قول الشيخ: وقال مالك: «وهو الأمر عندنا بالمدينة: أن البُرَّ (الحنطة) والشعير جِنسٌ واحدٌ، لتقارب المنفعة» . فقال ابن حزم: «القِطُّ أفقه من مالك! فإنه إذا رميت له لقمتان إحداهما شعير، فإنه يذهب عنها و يُقبِلُ على لقمة البُر» .