الصفحة 136 من 142

الرابع: ما ذكره الشيخ تقدمة للشعر الماجن الذي ذكره صاحب محاضرات الأدباء هو بعينه نفس التقديم الذي ذكره الشيعي الهالك المسمى: علي آل محسن في كتابه [لله وللحقيقة] ص 269. فمن ينقل عن الآخر السني السوي، أم الشيعي الغوي؟ مع العلم أنه ليس في كتاب المحاضرات المنقول عنه إلاّ قول الأصفهاني (همام القاضي) ، ثم ذكر الأبيات ولم يقدم لها بشيء أبدا، مما يدل على احترامه للإمام، رغم ما أورده من شعر المجون كعادته في كتابه، أما هذان اللذان نقلا عنه: فقد باءا بإثم ما صرحا به، وبإثم تقولهما على الراغب ما لم يقله.

ثم ماذا بعد، الإمام مالك - رحمه الله- يبكي ويندم على إفتائه بالرأي، وهذه أيضا مما ذكره الشيعة في كتبهم، يشنعون به على علماء أهل السنة، فبينما يذكر الشيعي الضال رواية شذرات الذهب في هذا، يأتي الشيخ محمد الأمين برواية ابن خلكان، فيقول - لا فض فوه: وقبيل وفاته كان مالك كثير الندم، وكان يبكي لأنه كان يفتي برأيه. وقال - رحمه الله- لصاحبه في مرض موته: «يا ابن قعنب، ومالي لا أبكي؟ ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضُرِبتُ في كل مسألة أفتيت بها برأيي سُوطًا سوطًا. وقد كانت لي السَّعةُ فيما قد سَبقتُ إليه. وليتني لم أُفتِ بالرأي» . انظر: وفيات الأعيان (4\ 137) ، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6\ 224) ، وجامع بيان العلم وفضله (2\ 1072) .

قلت: كلمة [كثيرا] هذه لو جمعها شخص من مقال الشيخ لملأ منها حمل بعير، وعندما تبحث لا تجد إلا رواية أو بعض الرواية، وشأن الكثير أكبر من هذا.

ولو تفطن الشيخ قليلا لما يقرأ لكان حذف هذا أولى به، لأنه يدل على أن الإفتاء بالرأي لم يكن بناء على منهج يسير عليه الإمام، وإنما هي المسألة بعد المسألة، ولذلك خشي الإمام من الخطأ وهذا يعد من محاسنه لا مما يؤخذ عليه، فلو كان الإمام يرى الإفتاء بالرأي منهجا ما كان يندم يوما على اختياره. ومن هنا فقد كان المستشرقون وتلامذتهم من بعدهم أكثر انسجاما مع رأيهم الذي ذهبوا إليه في عد الإمام ممن يجتهد بالرأي، إذ أنكروا هذه القصة لما رأوها ستفسد عليهم رأيهم - العاطل - ذاك.

قال على حسن عبد القادر في كتابه [نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي] ص 259: (وما جاء عند المتأخرين(ابن خلكان) من أنه ندم على استعماله الرأي عند موته، فهو من قبيل القصص). وقد تقدم في بيان معنى الرأي المنسوب للإمام ما يغني عن إعادته هنا، فلا يغيبن عن بال إخواننا الكرام.

ومما يدلك على أن هذا كان من الإمام على سبيل الخوف، والخشية من التقصير، أو أن يكون قد أخطأ في جواب سؤال أخذ عنه؛ ما ذكره القاضي عياض في رواية أخرى لهذه القصة، حيث قال: قال القعنبي: دخلت على مالك فوجدته باكيا، فسألته عن ذلك فقال: ومن أحق بالبكاء مني، لا أتكلم بكلمة إلا كتبت بالأقلام، وحملت إلى الآفاق.

وقال: وما تكلمت برأيي إلا في ثلاث مسائل. المدارك 1/ 193. فهل تصدق هذا - أيها الشيخ -؟

فإن لم يقنع كل ما تقدم - شيخنا - فلينظر أخبار أهل العلم في دفنهم لكتبهم، وأقاويلهم في تمني أن لا ينسب العلم إليهم، وندمهم على رواية الحديث، أو الإكثار منه. وليبين لنا معنى ذلك مشكورا؟

قال الإمام سفيان الثوري - رحمه الله: وددت أني أفلت من الحديث كفافا، وقال: وددت أن يدي قطعت ولم أطلب حديثا. السير 7/ 274. وغير ذلك كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت