الصفحة 137 من 142

تلاميذ الإمام والمذهب المالكي

سبق وأن تحدثت عن علاقة تلاميذ الإمام بالمذهب المالكي، وبينت هناك أن المذاهب إنما تنسب إلى من وضع أصولها، وقعد قواعدها، ولا تنسب إلى من جاء بعد ذلك مجتهدا وفق هذه الأصول والقواعد، كان ذلك ردا على ما قاله الشيخ محمد الأمين من نسبة تأسيس المذهب المالكي لأتباع الإمام وتلاميذه، ثم هو الآن يعود في أخر مقاله يكرر هذه الدعوى، كأنه يريد من القراء عدم نسيانها لأهميتها عنده، أو لما في باطنها من سلب الإمام أي فضيلة في العلم، حتى لو وصل الأمر إلى نزع هذه النسبة عنه، وإلصاقها بتلاميذه، ولا أدري ما يريد الشيخ أن يسمي المذهب بعد ذلك، فإن سماه مذهب أهل المدينة، فنعما هو وأنا أول الموافقين. ولكن يبقى سؤال سائل: من المتكلم الرسمي باسم هذا المذهب أو هذه الطريقة؟ ومن كان أعلم الناس بمنهج هذه المدرسة الرائدة في الفقه؟ ومن هو الذي حفظ لنا الناس علمه واجتهادا ته، التي كانت وفق أقوال أهل هذه المدينة المباركة واجتهاداتهم؟ إن كانت هذه الأسئلة مشروعة وواردة فليجبنا عنها الشيخ متفضلا.

قال الشيخ محمد الأمين - نفع الله به: بعد موت مالك أسس تلامذته مذهبه وأصبح لمالك مذهب دون أن يدري أنه سيخلد كصاحب مذهب، ففي الوقت الذي مات فيه مالك نادمًا على الفتاوى التي أفتاها جُمعت تلك الفتاوى وفق مذهب سُمي باسمه على يد تلامذته (خاصة من الأفارقة والأندلسيين) . وكما أجرى تلامذة أبو حنيفة تعديلات على مذهبه، فعل كذلك تلامذة مالك تعديلات على مذهبه، أمثال أسد بن الفرات وعبد الملك بن حبيب ومحم بن إبراهيم بن زياد الإسكندري (انظر مقدمة ابن خلدون ص377) .

قلت: أما أساس هذا الكلام، وفكرته العامة، فقد سبق الحديث عنها كما أسلفت، وتبقى هنا بعض التعليقات أوردها، كالتالي:

أولا: المذهب عند أهل العلم: حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة في الأحكام الاجتهادية

وعليه فمذهب مالك: (ما اختص به من الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية، وما اختص به من أسباب الأحكام، والشروط، والموانع، والحجاج المثبتة لها) . هذا ما ذكره الإمام القرافي - رحمه الله - في كتابه [الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام] 200.

وهذا التعريف من شأنه أن يخرج أقوال غير الإمام من دائرة المذهب، سواء كانت أقوال تلاميذ الإمام أو من جاء بعدهم، ولما كان هذا مخالفا للواقع المشاهد في المذهب المالكي، فقد ذهب علماء المذهب إلى أن: (المراد بمذهبه: ما قاله هو وأصحابه على طريقته، ونسب إليه مذهبا، لكونه يجري على قواعده، وأصله الذي بنى عليه مذهبه، وليس المراد ما ذهب إليه وحده دون غيره من أهل مذهبه) .. وأما عند المتأخرين من أئمة المذهب؛ فيطلق على (ما به الفتوى، من إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كالحج عرفة، لأن ذلك هو الأهم عند الفقيه المقلد) . حاشية العدوي على الخرشي 1/ 34 - 35. هل رأيت - يا شيخنا - فقد أجاب علماء المالكية على إيرادك هذا منذ أزمنة، ولولا خوف الإطالة لنقلت لك من تفصيل ذلك ما تقر به عينك، فطب نفسا.

ثانيا: الإمام لم يندم على كل ما أفتى به، بل ندم على بعض ما كان منه اجتهادا وفق فهمه للكتاب والسنة، خشية الخطأ كما تقدم، فالتعميم غير صحيح، لأن أغلب فتيا الإمام بالحديث. وفي ما ذكر عن الإمام أحمد فيما تقدم، وغيره مما لم يذكر= أكبر شهادة على ذلك لمن أنصف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت