فهرس الكتاب
ثالثا: لابد للشيخ - حفظه الله- أن يقر على أمر: إما أن التلاميذ هم من أسس المذهب، وإما الإمام هو من أسسه، وأظهر أصوله، وكان اجتهاده على وفقها، أما أن يقول الشيخ: إن التلاميذ أسسوا المذهب ... ثم يقول: إن التلاميذ أجروا تعديلات على مذهب الإمام، فما أظن أن هذا يستقيم شكلا ولا مضمونا.
ثم لو سلمنا - جدلا - بهذا الخلط، فما هي هذه التعديلات المزعومة؟ إن كان الشيخ يقصد فتاوى التلاميذ، وضمها ضمن مذهب الإمام، فقد تقدم الجواب عليه، وإن كان غير ذلك فليبين لنا الشيخ ذلك؟
رابعا: ذكر الشيخ جماعة من أئمة المذهب، يزعم أنهم أجروا تعديلات عليه، وهم أسد بن الفرات وسأتكلم عليه بعد قليل فسيعيد الشيخ الحديث عنه لاحقا، وعبد الملك بن حبيب، ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز - رحمهما الله-.
قلت: السؤال ما زال قائما: ما التعديلات التي أدخلها هؤلاء أو غيرهم على المذهب؟ اللهم إلا التخريج والتفريع على أصوله، أو الاستدلال لمسائله، أو ما ذكروا من اختياراتهم الاجتهادية، فإن كان الشيخ يقصد ذلك فقد سبق الجواب، وإن كان غير ذلك؛ فكلام الشيخ يشبه الجرح المجمل عند المحدثين، فسبيله الإطراح، أمام ما عندنا من البيان المفصل في صحة نسبة المذهب لصاحبه، لأنه من عرف بوضع أصوله وقواعده، وكلامه وفتياه معروفة مميزة لدى أتباعه، لا يمكن أن تختلط بكلام غيره بحال. وقد سبق أن بينت الدور الذي قام به تلاميذ الإمام ومن جاء بعدهم في المذهب.
خامسا: تذييل الشيخ كلامه بقوله: انظر مقدمة ابن خلدون ص 377. قلت: بالرجوع إلى المكان المذكور في النسخة التي سبق للشيخ النقل عنها، وجدت كلاما لا علاقة له بما يتكلم عليه الشيخ، ولعل في رقم الصفحة خطأ، ولكن بالرجوع إلى مظان كلام ابن خلدون في ما يدندن حوله الشيخ، رأيته يتكلم عن المذهب وأماكن انتشاره، ومدارسه وأعلام كل مدرسة، وبعض الكلام على أمهات المذهب التي تضمنت مسائل الإمام، وليس في كلامه ما يشير إلى إحداث تعديلات على المذهب من قبل تلاميذ الإمام ولا غيرهم، فإن كان هناك شيء لم أره فليذكره لنا الشيخ، راجع المقدمة 450 - 451، مصورة دار إحياء التراث.
ثم نقل لنا الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- ما ظنه مؤيدا لكلامه في إثبات حدوث تعديلات في المذهب فقال: قال شيخ الإسلام في مجموع فتاواه: «ومعلومٌ أن مدوّنة ابن القاسم، أصلها مسائل أسد بن الفرات التي فرعها أهل العراق. ثم سأل عنها أسد ابن القاسم، فأجابه بالنقل عن مالك، وتارة بالقياس على قوله. ثم أصَّلَها في رواية سحنون. فلهذا يقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى أقوال أهل العراق، وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة. ثم اتفق أنه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس، وكان يحيى بن يحيى عامل الأندلس والولاة يستشيرونه، فكانوا يأمرون القضاة أن لا يقضوا إلا بروايته عن مالك، ثم رواية غيره. فانتشرت رواية ابن القاسم عن مالك لأجل من عمل بها. وقد تكون مرجوحة في المذهب وعمل أهل المدينة والسنة، حتى صاروا يتركون رواية الموطأ - الذي هو متواتر عن مالك وما زال يحدث به إلى أن مات- لرواية ابن القاسم» .
قلت: كلام شيخ الإسلام جاء في معرض الدفاع عن الإمام من مثل دعوى الشيخ محمد الأمين في مخالفة الإمام لبعض الأحاديث، فقال شيخ الإسلام: (وأما الحديث فأكثره نجد مالكا قال به في إحدى الروايتين، وإنما تركه طائفة من أصحابه، كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وأهل المدينة رووا عن مالك الرفع موافقا للحديث الصحيح الذي رواه، لكن ابن القاسم ونحوه من البصريين هم الذين قالوا بالرواية الأولى، ومعلوم أن مدونة ... ) مجموع الفتاوى 20/ 327.