الصفحة 139 من 142

ثم بعد أن ذكر ما نقله الشيخ محمد قال شيخ الإسلام: ( ... وإن كان طائفة من المالكية أنكروا ذلك فمثل هذا إن كان فيه عيب فإنما هو على من نقل ذلك لا على مالك، ويمكن المتبع لمذهبه أن يتبع السنة في عامة الأمور؛ إذ قل من سنة إلا و له قول يوافقها ... ) 20/ 328.

هذا سياق كلام شيخ الإسلام وهذه بقية كلامه - رحمه الله- وقد تعرض لمقص الرقيب كالعادة والسبب لا يخفى على القراء الكرام، بعد هذه الجولة الطويلة مع مقال الشيخ محمد الأمين.

ثم ذكر الشيخ نصا آخر عن الإمام أبي زرعة الرازي - رحمه الله - ينتصر به لدعواه فقال:

قال البرذعي في"سؤالا ته" (1\ 533) : وذكرت لأبي زرعة (الرازي) مسائل عبد الرحمن بن القاسم عن مالك، فقال: «عنده ثلاثمائة جلدة أو نحوه عن مالك مسائل أسدية» . قلت: «وما الأسدية» ؟ فقال: «كان رجل من أهل المغرب يقال له أسد، رحل إلى محمد بن الحسن (صاحب أبي حنيفة) فسأله عن هذه المسائل. ثم قدم مصر، فأتى عبد الله بن وهب فسأله أن يسأله عن تلك المسائل: مما كان عنده فيها عن مالك أجابه، وما لم يكن عنده عن مالك قاس على قول مالك. فأتى عبد الرحمن بن القاسم، فتوسع له، فأجابه على هذا. فالناس يتكلمون في هذه المسائل» . فما اكتفى المالكية بجمع آراء إمامهم التي ندم عليها، بل نسبوا إليه آراء أخرى ما قالها. وقاموا بتفضيل المدوّنة على نصوص الإمام مالك في الموطأ!! ثم تم تدوين كتب أصول مذهب المالكية في العراق، من قبل المتكلمين. مما زاد في الهوة بين مذهب المالكية المتأخرين، وبين مذهب أهل المدينة الأوائل. والله يبدل الليل النهار، وهو على كل شيء قدير.

قلت: كلام الشيخ هذا مسك الختام في مقاله، وهذه بعض التعقيبات الختامية على ما نقله عن شيخي الإسلام:

الأول: كلام شيخ الإسلام وكلام أبي زرعة - رحمهما الله تعالى - صحيح في الجملة، ولكن اعتماد المالكية ليس على ما دونه أسد بن الفرات - رحمه الله - فقد ترك أتباع الإمام الأسدية في مهدها، وقد قالوا لأسد - رحمه الله: (جئتنا بإخال وأظن وأحسب، وتركت الآثار وما عليه السلف) المدارك 3/ 298، وإنما المعول في المذهب على المدونة التي بين أيدينا اليوم، التي هي سماعات ابن القاسم، أجاب بها على أسئلة سحنون لما قدم إليه من تونس طلبا للعلم وتصحيحا لرواية أسد، فأجابه بما سمعه من مالك، فإن لم يجد اجتهد وفق أصوله، فجمع سحنون ذلك كله وهذبه وبوبه، وأقام الأدلة على بعض المسائل، فأخذها عنه الناس، وهي إلى اليوم عمدة مذهب المالكية، في القضاء والإفتاء، والمرجح روايتها على سائر الأمهات، وهي الأصل الثاني بعد الموطأ. هذه باختصار شديد قصة الأسدية والمدونة.

الثاني: قول الإمام أبي زرعة: فالناس يتكلمون في هذه المسائل. مراده - والله أعلم - كلامهم على ما أدخله أسد من علم العراقيين ضمن أسديته، وفيها شيء من المسائل الافتراضية، وكان أتباع الإمام مالك على سيرة إمامهم في كراهية الرأي، واجتناب المسائل الافتراضية، فلذلك ترك الناس الأسدية واتجهوا إلى ما دونه سحنون، ولا تظنن أن كلامهم على ثقة أسد وصدقه، فهو إمام صدق وعدل، وأحد الفرسان المجاهدين - رحمه الله-.

هذا إجمالا ما يمكن أن يقال الآن على كلام شيخي الإسلام - رحمهما الله -.

ملاحظة: كلام أبي زرعة الرازي في الجزء الثاني من السؤالات، وليس الأول كما ذكر الشيخ.

وأما كلام الشيخ محمد الأمين الذي ذيل به النقل عنهما فقد تضمن دعاوى عدة، وهي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت