فهرس الكتاب
الأولى: قوله: فما اكتفى المالكية بجمع آراء إمامهم التي ندم عليها، بل نسبوا إليه آراء أخرى ما قالها.
قلت: ما سمعنا بهذا في يوم من الأيام - وكفاك من شر سماعه - ولم يزل علماء المالكية وشيوخهم يميزون بين أقوال الأمام وبين أقوال تلاميذه، وكذا أقوال غيرهم من مشايخ المذهب، ويضعون كل قول موضعه، فهلا ذكر الشيخ أمثلة لما يقول؟ أو ذكر لنا مصدرا موثقا لهذه الدعوى؟ وإن كان الشيخ أخذ هذا مما تقدم عن شيخي الإسلام - وهذا الظاهر- ففهمه خطأ، وكلامهما واضح في التفريق بين كلام الإمام وكلام تلميذه ابن القاسم، وغاية ما في كلام ابن تيمية أنهم أخذوا برواية ابن القاسم، وتركوا غيرها، وهذا معروف غير منكور.
الثانية: قوله: وقاموا بتفضيل المدوّنة على نصوص الإمام مالك في الموطأ!!
قلت: أما التفضيل فما أعرف أحدا من المالكية قال به، فإن كان الشيخ رأى شيئا من ذلك فليدلنا عليه، وأما التقديم فموجود، وقد أنكره طائفة من علماء المذهب كما سبق عن شيخ الإسلام، وتَرْك بعضهم ما روي عن الإمام في الموطأ، وتقديم رواية ابن القاسم عنه، لا يلزم منه تفضيل ما جاء في المدونة على نصوص الإمام في الموطأ، وقد قال أهل العلم: إنه تجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل. وما جاء عن البعض مما ظاهره تقديم أقوال الإمام في المدونة على قوله في الموطأ معلل بمعرفة الإمام ابن القاسم لآخر قولي الإمام. ولأنه أكثر أصحابه صحبة له، وأعرفهم بأقواله، مع علمه وورعه.
وقول الشيخ محمد الأمين: قاموا بتفضيل المدونة، هكذا بدون تقييده بأقوال الإمام في المدونة، فيه وهم وإيهام، لأن المدونة فيها أقوال الإمام وأقوال ابن القاسم، وفيها أيضا بعض أقوال غيرهما من تلاميذ الإمام، وفيها شيء من أقوال الإمام سحنون نفسه - رحمهم الله -. والتقديم إنما وقع- حسب قول شيخ الإسلام- لما رواه ابن القاسم عن الإمام في المدونة، وليس لما في المدونة جملة. فالتقديم إنما وقع لقول للإمام في المدونة على قول له في الموطأ، للمعاني السابقة، لا على قول غير الإمام على قول الإمام، فتفطن لهذا فهو سر المسألة.
قال الإمام أبو محمد صالح بن محمد الفاسي الهسكوري المتوفى 631ه: (إنما يفتى بقول مالك في الموطأ، فإن لم يجده في النازلة فبقوله في المدونة، فإن لم يجده فبقول ابن القاسم فيها، وإلا فبقوله في غيرها، وإلا فبقول الغير فيها، وإلا فأقاويل أهل المذهب) . المعيار 12/ 23.
الثالثة: قول الشيخ: ثم تم تدوين كتب أصول مذهب المالكية في العراق، من قبل المتكلمين. مما زاد في الهوة بين مذهب المالكية المتأخرين، وبين مذهب أهل المدينة الأوائل. والله يبدل الليل النهار، وهو على كل شيء قدير.
قلت: هذه الدعوى هي آخر ما في جعبة الشيخ - حتى الآن على الأقل- ألقاه إلي القراء عسى أن يقع ذلك موقعه في نفوسهم، وقد علم جلهم كلام السلف الصالح، وعلى رأسهم الإمام مالك، في ذم الكلام وأهله ... والنتيجة معروفة.
هذا وقد سبق أن ذكرت أثناء التعليق عما نقله الشيخ عن ابن خلدون، في مبحث أسباب انتشار المذهب المالكي، ثلاثة من العلماء في القرن الثالث ممن ألف في أصول المذهب، وهما مصري وأندلسيان، وذكرت هناك أن أصول المذهب لها إشارات في كلام الإمام في الموطأ وغيره، وأن الردود التي كتبها أعلام المذهب على الإمام الشافعي والكوفيين تضمنت الكثير من تلك الأصول والقواعد، وهذا يدل على أن أصول المذهب - المعالم الكبرى فيه على الأقل- قد دونت قبل استفحال تأثير علم الكلام على العلوم الإسلامية، هذه واحدة.