الصفحة 20 من 142

مَطَرًا أي مَطَرًا، فَخَفّ في عيني. فقلت: يا أبا عبد الله، قد بَلَغْتَ من العلم هذا المبلغَ فَلَو أصلحتَ من لسانك. فقال: فكيفَ لو رأيتمُ ربيعةَ؟ كُنّا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرًا بخيرًا. قال (الأصمعي) : وإذا هو (مالك) قد جعلَهُ (جعل ربيعة) لنفسه قدوةً في اللّحْنِ وعذْرًا».

قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي- رحمه الله - في التنكيل 1/ 283 مفندا لهذه الحكاية:(أقول: هذه الحكاية منكرة عن الأصمعي، فلينظر من حكاها عن كتاب المبرد وعلى فرض ثبوتها عن المبرد ففيه كلام معروف، ومحمد بن القاسم التمائمي لم أعرفه، ولعله محمد بن القاسم اليمامي وهو أبو العيناء، أصله من اليمامة، وليس بثقة قد اعترف بوضع الحديث، فما بالك بالحكايات.

ومما يدل على بطلان هذه الحكاية أمور.

الأول: أن الأصمعي كان من أشد الناس توقيرا لأئمة السنة.

الثاني: أنه كان مبجلا لمالك حتى روي عنه أنه كان يفتخر بأن مالكا روى عنه.

الثالث: أن فيها قرن مالك بشيخه ربيعة، وهذا يدل على تحري الطعن في أهل المدينة، وليس ذلك دأب الأصمعي، إنما هو دأب أصحاب الرأي.

الرابع: أن اللحن الذي تضمنته الحكاية خارج عن المعتاد، فإن العامة فضلا عن العلماء يقفون بالسكون، وهذا كله يدل أن هذه الحكاية فرية قصد بها الغض من علماء أهل المدينة).

فإن لم يقنع كلام هذا اليماني الفحل الشيخ محمد الأمين، فأقول له: مثل ما قال اليماني الآخر وهو الإمام ابن الوزير - رحمه الله - في مثل هذه المسألة وهو يذب عن الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - كما في الروض الباسم 1/ 315، وأصله العواصم 2/ 87 - 88 أولا: (إن هذا يحتاج إلى طرق صحيحة) - فكما صحح الشيخ نسبة تلحين الإمام وغيره للنسائي- رحمه الله-. فكان عليه أن يتحرى الصحة هنا أيضا، والتنكيل بين يديه، فلمَ ينقل من التأنيب ويترك الرجوع إلى التنكيل، مع علمه بكثرة أخطاء صاحب التأنيب وجوره على الأئمة - رحمهم الله -.

ثانيا: إنه إن ثبتت - دعوى اللحن - بطريق صحيح، فإنه لم يشتهر، ولم يصح مثل شهرة صدور الفتيا، والاجتهاد عن الإمام، وقد تواتر علمه وفضله، وأجمع عليه، وليس يقدح في المعلوم بالمظنون، بل بما لا يستحق أن يسمى مظنونا.

ثالثا: سلمنا أن هذا لحن لاوجه له، فإنه لا يدل على عدم المعرفة، فإن كثيرا من علماء العربية يتكلم بلسان العامة وينطق باللحن، بل قد يتكلم العربي بالعجمية ولا يقدح ذلك في عربيته.

وانظر في تأكيد آخر كلام ابن الوزير؛ ما ذكره أبو العباس القلقشندى في صبح الأعشى1/ 167 وما بعدها، وانظر فيه ص 173 اعتذار الفراء عن اللحن في مجلس الرشيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت