الصفحة 22 من 142

يؤكد به دعواه الباطلة تلك، ثم ختم كلامه بقوله: لكن ليس في هذه القصة طعن بالإمام مالك كما زعم البعض، فإن اللحن ليس عيبًا.

قلت - والله المستعان-: مادام اللحن ليس عيبا - بارك الله فيك - لم أوردت ما أوردت؟ لماذا - أخي- هذا الهروب؟ والمقال كله في بيان أخطاء الإمام، وبيان مواطن الضعف لديه، حتى لا يصلح - عندك- أن يكون الممثل لفقه أهل المدينة منفردا، وأن من ظن ذلك فقد أخطأ، ومن قاله - وما أظن أحدا قاله بالطريقة التي تدعيها - فقد نقضتَ قوله شكلا ومضمونا.

ثم إن اللحن في هذا المقام ليس عيبا على مراد من نقلت عنه نسبة اللحن إلى الإمام مالك - ولم تذكر لفظه - وأما على ما ذكرته أنت فهو عيب، لا شك في ذلك.

وقد سبق أن ذكرت نص كلام النسائي الذي يصر الشيخ على إخفائه، مكتفيا منه بنسبة اللحن للإمام، بل عبر- ظلما - بأن النسائي اتهم الإمام باللحن، وفرق بين كلام النسائي الذي نقلته لك وبين تعبير الشيخ باتهمه، لما في لفظة التهمة من سوء الظن وغيره. ولعل من أسباب حذف الشيخ لكلام النسائي المذكور، والاكتفاء بمعناه ما فيه من نسبة اللحن أيضا للإمام سفيان - رحمه الله - الذي سيؤيد الشيخ فيما يأتي تفضيله على الإمام مالك في كل شيء، فكيف يتأتى ذلك وهو ممن يلحن؟! فلذلك حذف الشيخ كلام النسائي واكتفى بمعناه والله أعلم. طبعا لا ننسى المقصد الأساسي من حذف كلام النسائي، وهو عدم العيب على المحدثين بسبب اللحن، والشيخ محمد لا يريد لهذا المعنى أن يظهر للقراء، لأنه يعيب الإمام باللحن، فإظهار كلام النسائي يفسد على الشيخ مقصده، ولذلك تراه عندما رد على المعترضين لم يذكر كلام النسائي أيضا، وإنما اكتفى بقوله: فإن اللحن ليس عيبا. وهو يعلم أن القراء الذين لم يطلعوا على كلام النسائي كاملا، يرون أن هذه الجملة هي من كلام الشيخ محمد الأمين، وما أظن أن كلامه وصل إلى درجة من الاحتجاج بحيث يترك له الناس ما تيقنوه من معرفتهم بأن اللحن عيب، ويجب اجتنابه، خاصة من قبل أهل العلم الشرعي. و كلام النسائي لو أظهره كان له وقعه في النفوس ولا شك، ولكن إيراده كاملا يفسد على الشيخ مقصده كله، ويبطل قوله كله.

أما مقصد الإمام النسائي - فيما أرى- في قوله ذلك: فهو عدم الطعن في روايات المحدثين بسبب اللحن، لأن أصحاب الكلام وغيرهم كانوا يتخذون من لحن بعض المحدثين ذريعة للطعن في مروياتهم، فقال الإمام النسائي: ما قال، وعزز كلامه بأن بعض كبار الأئمة ممن لا مطعن لأحد فيهم، ويحظون باحترام كل الطوائف كانوا يلحنون. وليس هذا من النسائي إقرارا للحن ولا رضا به، كيف وقد تتابع العلماء على دعوة الرواة للاهتمام بالعربية، واجتناب اللحن، حتى كاد البعض أن يدخل من يلحن في الرواية تحت قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - (من كذب علي ... ) الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت