فهرس الكتاب
ثبت) قال: قلت لابن المبارك (فقيه خراسان) : «وضعتَ في رأي أبي حنيفة، ولم تضع في رأي مالك؟» . قال: «لم أره عالمًا» .
قلت - والله المستعان: حاشا أهل الصدر الأول وهم أهل العلم والفضل من السخرية من بعضهم البعض، كيف وهم يتلون قول الله تعالى: [يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم] الآيات. إنما هذا الخلق يليق بنا وبأمثالنا، نحن أهل الطيش والحمق، نحن الذين تعب أهل العلم في تربيتنا وإرشادنا فلم نتأدب ولم ننز جر عما نهونا عنه، وخضنا في ما لانحسن، وركبنا رؤوسنا وظننا أنا سنأتي بما لم يأت به الأوائل. انظروا - إخواننا- كيف انقلب ما أجمع عليه أهل العلم من ذكر وقار الإمام وعقله وهيبته عند كل من لقيه ورآه، وهي هيبة العلم، وفضل صيانته، انظروا كيف انقلبت إلى سخرية بل سخرية كثيرة، ولم هذا؟ لأنه إمام مجتهد مارس حقه في الاجتهاد فخالف غيره ممن هو أعلم منه، وكيف يصبح الإنسان فقيها إذا لم يرد ويرد عليه، ويخالف غيره عندما يظهر له أن الصواب فيما ذهب إليه، والإمام - رحمه الله -فيما نقل إلينا النقلة من حاله لم يتصدر للفتوى حتى أجازه بذلك جماعة كبيرة من شيوخه، وكان قد جلس للعلم والفتوى في حياة كبار مشايخه، جلس بعد وفاة شيخه نافع - رحمه الله - بسنة، والإمام نافع أظنه توفي سنة 116أو117ه إن لم أنس، فلو تعرض الإمام للسخرية من أهل عصره ما كان ليجلس مجالس العلم في مثل هذه السن ويبقى إماما للمدينة المنورة طيلة ما يقارب ستين سنة، قضى معظمها إماما منفردا بالعلم والفتوى، حتى قيل: لا يفتى ومالك في المدينة، وهذه مسألة أخرى أقضت مضجع أخي محمد الأمين وبسببها وغيرها كتب ما كتب وسيأتي بيانها وما المراد بها ومن قالها - إن شاء الله-.
ثم مالنا ولهذا الكلام والأمر قد فرغ منه منذ قرون، نعود لما كتبنا من أجله وننظر كيف تعود السخرية المدعاة مدحا، لا تستغربوا وانظروا بعين البصيرة لا البصر فالله أعظم وأجل من أن يضع دينه في يد من يسخر الناس منه وهم شهداؤه على خلقه.
بنى الشيخ مسألة السخرية - والعياذ بالله - على روايتين، الأولى: ما ذكره الحافظ ابن حجر في الرحمة الغيثية 2/ 243من مجموع الرسائل المنيرية قال - رحمه الله- (وقال أبو عبد الله البوشنجي: سمعت يحيى بن بكير يقول أخبرت عن سعيد بن أبي أيوب أنه كان يقول: لو أن ) . وذكر ما تقدم، وأنت ترى في هذا السند قول يحيى بن بكير أخبرت وهذا يعنى أن هناك انقطاعا ولا تقوم بمنقطع حجة، ولو صح فليس فيه أكثر من إعجاب التلميذ بشيخه وهذا كثير في تراجمهم، وسبيله كما قال الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم2/ 1109: (وهذا مما ذكرنا مما لا يسمع من قولهم، ولا يلتفت إليه ولا يعرج عليه) .
وإذ خلصنا من تلك فاستمع إلى هذه وهي الغريبة، التي تقلب الأمر رأسا على عقب وهذا من بركة أئمتنا بسبب صدقهم وإخلاصهم - والكلام على مجموعهم- ولو كنت من أهل الدروشة لقلت: هذه كرامة للإمام.
نقل الشيخ من جامع بيان العلم ما تقدم، وأعاده - مع إصلاح بعضه- بعد عدة أسطر، وأنقله هنا من نفس المصدر والصفحة ليقارن القراء بين النصين، قال ابن عبد البر في جمع بيان العلم 2/ 1109 من طبعة أبي الأشبال الزهيري: (وذكر أبو يعقوب يوسف بن أحمد المكي، ثنا جعفر ابن إدريس المقري، ثنا محمد بن أبي يحيى، ثنا محمد بن سهل، قال سمعت ليث بن طلحة يقول: سمعت سلمة بن سليمان يقول: قلت لابن المبارك: وضعت من رأي أبي حنيفة ولم تضع من رأي مالك، قال: لم أره علما) . فانظر- رعاك الله- كيف تحولت من في نقل الشيخ إلى في، وتحولت لفظة علما عند ابن عبد البر إلى عالما في نقل الشيخ محمد.