فهرس الكتاب
الرأي وأهله، وبالتالي فالإمام لا يصلح أن يكون إماما، وعلمه- المدَّعى- ليس بشيء ... ، لأن الرأي ليس علما، بل العلم قال الله، قال رسوله، وأرجو من الإخوة الذين يقفون على كلامي هذا أن لا يستعجلوا ويحكموا علي بالمبالغة أو غيرها، ولكن ليضعوا الأمور في سياقها، ولينظروا ما قبل هذا الكلام وما بعده، ثم ليحكموا، فلعلهم يرون أن هذا الأمر هو أسوأ من ذلك بكثير.
والأغرب من دعوى الشيخ هذه؛ ما أورده من استدلالات لإثباتها، والأشد غرابة هو إقحام أهل العلم في ذلك، وتقويلهم ما لم يقولوا، بل و لمَ لمْ يخطر ببالهم، وسيأتي البيان لاحقا- إن شاء الله-. ثم لا ينفع الشيخ بعد كلامه هذا وغيره أن يتستر وراء كلمة غالبا، أوأغلبهم، ثم بعضهم في التنقيح الجديد، أو يقول إنما قصدت كذا، وعنيت ذا، ولم تفهموا عني، أو لم تفهموا قصدي فالأمر أوضح- بسياقه وسباقه- من أن يحتاج إلى إعمال نظر.
إذا تبين هذا، فأقول: إن كلمة أصحاب الرأي بحسب الإضافة، تشمل كل من تصرف في الأحكام الشرعية بالرأي والنظر، وهم جميع علماء الإسلام، ولا يكون الأثر إلا مع الرأي والنظر فهما عنصران ضروريان لكل عمل فقهي، (فلا يمكن لأي عمل من الأعمال الفقهية أن يستقل فيه الأثر عن النظر استقلالا تاما، بحيث لا يكون للنظر مدخل بحال في العمل الفقهي الذي هو استنتاج، ولايمكن أن يستقل النظر بحيث لا يكون للأثر أي اتصال بذلك العمل الاستنتاجي لأن الاستنتاج حينئذ يخرج عن حقيقة الاجتهاد إلى حقيقة الهوى) المحاضرات المغربيات. فالرأي لا يعدو أن يكون الفهم والفطنة النافذة في معاني النصوص، لمعرفة الأحكام الشرعية، والشيخ لا يريد حتما ما تقدم بيانه إجمالا في معنى أصحاب الرأي، بل هو يعني الآتي:
وهو أصحاب الرأي بحسب العَلَمية، فيطلق عند أهل العلم من الماضين، ومن تبعهم من المعاصرين على أهل الكوفة العراقيين، والذي يمثل مذهبهم الإمام أبو حنيفة النعمان- رحمه الله رحمة واسعة- فكل من شدا شيئا من الفقه الإسلامي وتاريخه، يعلم أنه لم يكد ينتهي عهد التابعين، وينتقل الفقه إلى طبقة فقهاء الأمصار، حتى صار الفقه صناعة وعلما مميزا، وأصبح انقسامه-في طريقة الاجتهاد- إلى مدرستين واضحا، مدرسة الحجاز وعلى رأسها الإمام مالك وشيوخه، ومن أعلامها الإمام الشافعي وأحمد وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد .... -رحمهم الله- وتعرف هذه المدرسة بمدرسة أهل الأثر، أو أهل الحديث، يقابل هذه المدرسة الحجازية، مدرسة العراق- ومقرها الكوفة- وهي التي عرفت بمدرسة أهل الرأي، وإمامها أبو حنيفة وشيوخه ومن تابعهم- رحمهم الله-. أما سبب التسمية، وسمات كل مدرسة، وما كان بينهما من توافق أو تخالف، وما هو الرأي المحمود، وما الرأي المذموم إلى غير ذلك، فقد تكفلت ببيانه كتب أهل العلم، ومن أحسنها في ذلك؛ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، واعلام الموقعين لابن القيم-رحمهما الله- ثم