فهرس الكتاب
جاءت كتب تاريخ التشريع ففصلت الأمر تفصيلا على ما فيها من عوز، فلينظر هناك.
وهذا التقسيم، واستقرار العلماء عليه منذ قرون؛ كان يفترض بنا ألاّ نقيم عليه الأدلة، ولا نتكلف لإثباته، ولكن .... وحتى لا يكون كلامنا دعوى مجردة في نظر البعض، أقول:
إن نظرة عجلى في الكتب- القديمة- التي عُنيت بذكر اختلاف الفقهاء، مثل أوسط ابن المنذر، واختلاف الفقهاء لمحمد بن نصر المروزي، لا تخطيء عين الناظر فيها كثرة قولهم: قال مالك والشافعي: كذا، وقال أصحاب الرأي: كذا، وقال مالك وأهل المدينة .... وقال أصحاب الرأي .... ، فانظر- رحمك الله- ما يقتضيه العطف عندهم. وأما الإمام الترمذي فيذكر أهل الرأي باسم أهل الكوفة، وقليلا ما ذكرهم باسم أهل الرأي. يقول الإمام ابن رجب- رحمه الله- في شرح علل الترمذي 1/ 337 من طبعة دار الرازي، مبينا لكلام الإمام الترمذي وما ذكره من اختيار الفقهاء وذكر أسانيده في ذلك، قال ابن رجب: (اعلم أن أبا عيسى-رحمه الله- ذكر في هذا الكتاب مذاهب كثير من فقهاء أهل الحديث المشهورين: كسفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) .
وقال الإمام محمد المباركفوري- رحمه الله- في مقدمة تحفة الأحوذي1/ 425 وهو بصدد شرح بعض الألفاظ الواردة عن الإمام الترمذي في جامعه: (ومنها لفظ أصحابنا، وقد أكثر الترمذي استعمال هذا اللفظ في بيان المذاهب وأراد به أهل الحديث فكلام الترمذي هذا يدل دلالة ظاهرة على أنه أراد بقوله: أصحابنا أهل الحديث كالإمام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، فإن هؤلاء كلهم من أهل الحديث) . وكان قد قال قبل ذلك ص417: (ومنها لفظ أهل الرأي فعليك أن تعلم أن أهل الرأي من هم؟ ولم يقال لهم أهل الرأي؟ فاعلم أن أهل الرأي هم العلماء الحنفية ) .
فهاأنت ترى أن الإمام - رحمه الله- معدود عند جماعة العلماء إماما في الحديث إذا ذكر أهله، وإماما في الفقه عند الخوض في مسائله، فهو من فقهاء المحدثين، لا أعلم في هذا نزاعا بينهم، إلا ما ذكره بن قتيبة في المعارف، و هو لايعني انتساب الإمام للرأي بالمعنى الذي يريده الشيخ محمد الأمين، والدليل ما تقدم من قوله في مبحث اللحن، ثم إننا لا نغادر هذا المقام حتى نري أخانا محمدًا مصداق ما تقدم لنا عيانا.
بدا الإمام ابن أبي حاتم في تقدمة كتابه في الجرح والتعديل بذكر أئمة هذا الشأن، فكانت أول ترجمة ذكرها لإمام من أئمة أهل الحديث: ترجمة الإمام مالك،1/ 11 - 32، ولو علمه من أصحاب الرأي ما ذكره في كتابه، أو ما بدأ به كتابه على الأقل، ثم أخذ يذكر أبوابا في فضل الإمام وعلمه وغير ذلك، وقد جاء في كتابه ذاك، عن عبد الرحمن بن مهدي- رحمه الله- قال: أئمة الناس في