فهرس الكتاب
فلينتبه الشيخ لكلامه.
أما ما أورده الشيخ هنا فهو إما نسبة اجتهاد الرأي للإمام، وهو أمر مشترك بين جميع أئمة الإسلام، وإما تخطئة للإمام من بعض الأئمة، وهذا أمر كما تقدم لم ينفك عنه أحد من المجتهدين، غاية ما فيه أنه قد يصحب التخطئة نوع من الشدة على المخالف أحيانا.
فينبغي على الشيخ أن يفرق بين اجتهاد الرأي من حيث هو عملية اجتهادية يلجأ إليها كل علماء الإسلام عندما تعوزهم النصوص، مصداق ذلك في [باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة] من كتاب جامع بيان العلم وغير= وبين الخطأ في هذه العملية الاجتهادية، يقع فيه العالم نتيجة عدم بلوغ حجة ما، أو عدم بلوغ نص، أو تقديم ما حقه التقديم عنده، أو غير ذلك من الأسباب. فخلط الأمور هنا فيه وهم وإيهام، كنت أود من الشيخ أن يربأ بنفسه عنهما.
ثم ذكر الشيخ الدليل الثاني على دعواه، ويتلخص هذا الدليل في جمع الشيخ أكبر عدد من العبارات فيها نسبة الرأي للإمام، وخاصة إذا كان في مقام بيان خطأ للإمام، ولم يفرق الشيخ هنا بين الرأي المذموم المعارض للنصوص، بدون الرجوع إلى أصل أقوى، وبين الرأي الذي هو عمل اجتهادي، مأذون فيه لمن بلغ درجته، القائم على إعمال كل الأدلة، والنظر إلى الراجح منها فيقدم على غيره، وأما الإصابة في ذلك أو الخطأ فأمر آخر. وتحت هذا الدليل عدة جزئيات، الأولى: ذكرها الشيخ كما يلي،
وقد لخص أحمد رأيه بمالك فقال: «حديثٌ صحيح، ورأيٌ ضعيف» .
إذ روى الخطيب في تاريخ بغداد (13\ 445) عن إبراهيم بن إسحاق الحربي قال سمعت أحمد بن حنبل أنه سُئل عن مالك، فقال: «حديثٌ صحيح، ورأيٌ ضعيف» . فانظر لإنصاف إمام أهل الحديث في عصره، كيف فرّق بين قوة حفظ مالك وبين ضعف رأيه.
قلت: دعوى الشيخ أن الإمام مالكا من أصحاب الرأي، بينما كلام الإمام أحمد-إن صح- عن اجتهاد الإمام، من حيث ضعفه وقوته، مقارنة برأي غيره من الأئمة، كما يأتي في تكملة الرواية، فأين هذا من ذاك؟ وكلام الشيخ هذا يعزز ما قلته آنفا من أن الشيخ محمد الأمين يخلط بين اجتهاد الرأي المشترك بين أئمة الإسلام، وبين الرأي بالمعنى المذموم، وبين الخطأ في بعض الإجتهادات فتراه يجمع أي لفظ نسب فيه الإمام إلى الرأي ويأتي به، موهما أن ذلك يعني انتساب الإمام لأصحاب الرأي بالمعني الاصطلاحي المعروف. ولو كان الانتساب للرأي مذموما بإطلاق لما قال الإمام أحمد عن الإمام الشافعي: (رأي صحيح) .