فهرس الكتاب
من علماء الأمة يثبت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يرده دون ادعاء نسخ ذلك بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أوطعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته فضلا عن أن يتخذ إماما، ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله من ذلك).
فأنت ترى أن الرأي هنا هو الاجتهاد بناء على الأصول الشرعية، والتي أشار إلى بعضها النص المتقدم عن ابن عبد البر، وليس الأمر راجعا للهوى والتشهي، كما يحاول أن يصوره لنا الشيخ-حفظه الله-.
وبمثل قول الإمام ابن عبد البر المتقدم، قال شيخ الإسلام في رسالته الماتعة- رفع الملام عن الأئمة الأعلام- مع زيادة في البسط، فما أروعها من رسالة، جزى الله مؤلفها خير الجزاء.
ولا نغادر حتى نذكر للشيخ رأي عالمين جليلين - رحمهما الله - في هذا النقل عن الإمام الليث، أولهما الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، حيث قال في كتاب الإقليد له ص193 - 194: (ومعلوم أن مثل كلام الليث عن مالك لا أثر له، لأنه لم يعين المسائل المذكورة ولا أدلتها، فيجوز أن يكون الصواب فيها مع مالك لأدلة خفيت على الليث، فليس خفاؤها على مالك بأولى من خفائها على الليث. ولاشك أن مذهب مالك المدون، فيه فروع تخالف بعض نصوص الوحي، والظاهر أن بعضها لم يبلغه-رحمه الله- ولو بلغه لعمل به، وأن بعضها بلغه وترك العمل لشيء آخر يعتقده دليلا أقوى منه) .
ثانيهما: الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني-رحمه الله- فقد ذكر دعوى الكوثري في نسبة الإمام إلى الرأي - ومعلوم لدى القراء لماذا يحرص الكوثري على نسبة الإمام إلى الرأي- في كتابه التنكيل1/ 384 - 385 وقد ذكر الكوثري قول الإمام الليث المتقدم، ليحتج به مثل احتجاج الشيخ محمد الأمين- وينظر هذا التشابه بينهما في هذه وغيرها مما وقعت الإشارة إليه في هذه المناقشة- قال الشيخ عبد الرحمن: (أقول: أما الأحاديث فقد توقف مالك عن الأخذ ببعضها، وليس ما توقف عنه وقد رواه بأصح الأسانيد عنده في الموطأ بكثير- كلمة الكثير هذه يستعملها الكوثري والشيخ كثيرا فليتفطن لهذا-، كما زعم الأستاذ بدون أن يذكر مستندا، ومع ذلك فلم يرد مالك حديثا واحدا بمحض الرأي، ولا ذكر له حديث
بل اشتهر عنه قوله: إنما أنا بشر أخطيء، وأصيب، فانظروا في رأيي فما وافق السنة فخذوا به. وكان يأخذ بالرأي عند الضرورة، فأما ما حكي عن الليث فالأفهام في السنة تختلف، يختلف العالمان في فهم الحديث، أو في ترجيح أحد الحديثين على الآخر، فيرى كل منهما أن قول صاحبه مخالف للسنة، وقول الأستاذ- الكوثري عن الإمام- صريح أنه من أهل الرأي، مجازفة، وهذه كتب الظاهرية موجودة فليتصفحها الأستاذ وليحص المسائل التي فيها، ليعلم بطلان