فهرس الكتاب
وابن عبد البر مالكي المذهب، لم يسرد هذه الأقوال ليطعن بالإمام مالك -وحاشاه-. إنما ذكرها ليُبَيِّنَ أن مالكًا قد طعن به أهل الحديث بسبب كراهيتهم للرأي. ولكن مالك شفع له عندهم أنه كان ثبتًا في الحديث، وما استطاعوا الاستغناء عن حديثه. فكان غالب كلامهم على أبي حنيفة الذي لم يكن عنده كثير الحديث، وما كان يعتني بألفاظه. فشاع عند بعض المتأخرين أن أبا حنيفة وحده كان صاحب رأي، والصواب أن مالكًا كذلك. إلا أن الشذوذ في مذهب مالك أقل، لاعتماده -في الغالب- على عمل أهل المدينة.
قلت:- والله المستعان- وهذا من التقول على أهل العلم بما لم يقولوه، وابن عبد البر إنما ساق هذا الكلام ليبين أن أقوال العلماء بعضهم في بعض لا تسمع وسبيلها الطرح، إذا كانت بسبب المعاصرة أو لعداوة أو غير ذلك، وحتى يمهد الشيخ لهذه الدعوى على الإمام ابن عبد البر بتر كلامه المتقدم، إذ لو ذكره تاما لفطن الناس لبطلان تقوله على ابن عبد البر. وقد جاء هذا الكلام المذكور عن ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم في- باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض- وقد عقده لتأصيل قاعدة عظيمة في الجرح والتعديل، وهي: أن من صحت إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد لهذا عقد ابن عبد البر هذا الباب وذكر هذا الكلام، لا لما تقوله عليه الشيخ-سامحه الله-.
وقد كرر فيه- رحمه الله- عدة مرات التنبيه على أن هذه الأقوال لا تسمع ولا يلتفت إليها.
ومما دعاه لكتابة ما ذكره أنه وجد كثيرا من الناس قد غلط في هذا الأمر، وضلت فيه نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك. والشيخ قد اطلع على كل ما تقدم- ولاشك- فلا أدري كيف سمحت له نفسه بذكره فضلا عن الاحتجاج به.
وقوله:. ولكن مالك شفع له عندهم أنه كان ثبتًا في الحديث، وما استطاعوا الاستغناء عن حديثه.
قلت: وهذا أيضا من التقول على أهل الحديث، فأين ذكر هذا أهل الحديث؟!!!
وهل يسكت أهل الحديث على أحد لو رأوه لا يستحق أن يؤخذ عنه العلم؟
ثم لو كان الإمام كما تقول لاستغنوا عنه، وكان في غيره من أئمة عصره غنية لهم عنه. ولكن كل ذلك لم يكن، ومالك عندهم إمام في الحديث والفقه والعلم، ولم يكن يوما من أصحاب الرأي الذي يعنيهم الشيخ.
قال الخطيب البغدادي في كتابه-الفقيه والمتفقه-1/ 432: (أنا محمد بن عيسي بن عبد العزيز الهمذاني، نا صالح بن أحمد بن محمد الحافظ، قال: سمعت القاسم بن أبي صالح يقول: سمعت أبا