فهرس الكتاب
أهل العلم في ذلك لما تقدم من شهرته، ولما رسخ في نفسي- بفضل الله - من محبة لأهل العلم، وعدم رغبتي في ذكر ما يكرهون، مع تقديم إتباع السنة على الكل فهي الأصل، بعد الكتاب العزيز.
ثم قال الشيخ: إلا أن الشذوذ في مذهب مالك أقل، لاعتماده - في الغالب - على عمل أهل المدينة.
قلت: قول الشيخ في الغالب، قيد احترازي، حتى لا يدخل الإمام عنده في أهل الأثر. فلا بد أن يبقى في الإمام ما يلحقه بأصحاب الرأي، ولله في خلقه شؤون.
ثم سجلنا على الشيخ بهذا الإقرار العزيز- ليس بمعنى الحديث العزيز بل هنا بمعنى النادر- فائدة لعمل أهل المدينة، حيث أخرج الإمام من دائرة الشذوذ الفقهي الكثير إلى الشذوذ القليل، رغم أن الشيخ لا يرى هذا العمل المزعوم - حسب قوله - حجة، وأن المدينة حدث فيها من البدع ما لعله أكثر من غيرها من الأمصار، وهو وغيره من عمل الأمصار سواء، فكيف يخرج عمل بهذه الصفة وغيرها مما ذكره في مقال آخر= الإمامَ من الشذوذ الكثير إلى ما هو أقل، إذا لم تكن له خاصية وميزة ليست لغيره من أعمال المدن. والفضل ما شهدت
ثم أضاف الشيخ فقرة جديدة لم تكن في المقال الأول، نقلها من حاشية ابن عابدين- رحمه الله- ظن أن فيها تأكيدا لدعواه الباطلة، فقال:
(علما بأن العلامة ابن عابدين الحنفي ذكر في حاشيته- رد المحتار على الدر المختار- أن أقرب المذاهب لمذهب الإمام أبي حنيفة هو مذهب مالك. والسبب أن كلاهما من أصحاب الرأي) .
قلت: وظاهر- من اللحن الفاحش- أن التعليل من كلام الشيخ وليس لابن عابدين - رحمه الله - فليعلم.
وكلام ابن عابدين لا يفيد الشيخ شيئا، بل هو حجة عليه أكثر مما هو له، لأن دعوى الشيخ أن الإمام من أهل الرأي، وكلام ابن عابدين أن مذهب الإمام أقرب المذاهب إلى مذهب أبي حنيفة وهذه شهادة على أنه ليس منهم، أو قل ليس على طريقتهم، إذ لو كان على طريقتهم لما تردد في نسبته إليهم، بل اكتفى بقوله: أقرب.
ثم ما المراد بالقرب في كلام ابن عابدين، وفي أي شيء هي المقاربة؟ هل في مدارك الأحكام، أم في الفروع الفقهية؟. لا شك أن كلامه يحتاج إلى إيضاح، وهذه النقطة لو جعلها الشيخ محور بحثه، ربما كان له فيها سعة، وكان للأخذ والرد معه فيها مجال واسع، أما الحكم بأن الإمام من أهل الرأي هكذا بإطلاق فهو هجر من القول.
وتقدمت الإشارة بإيجاز إلى انقسام المدارس الفقهية في عصر الأئمة المجتهدين إلى مدرسة