الصفحة 56 من 142

الشاطبي-رحمه الله- في النص السابق، وهذا علم حكمه مما تقدم.

الثاني: إقحام الشيخ لمسألة التفضيل هنا مما لا معنى له لأنه لم يبين سببه، و لازال الناس يفضل بعضهم بعضا في معاني متفرقة، ولا يعني تفوق البعض في معنى على آخر تفوقه عليه في كل شيء، ثم هذا التفضيل في معنى من المعاني من الأمور النسبية إذا كان بين المتماثلين، فهناك-مثلا- حافظ وأحفظ، وفقيه وأفقه. فكون أبي حنيفة أفقه من الإمام-إذا سلم- لايعني انتفاء الفقه عن الإمام، حتى يورده الشيخ هنا في هذا المقام على سبيل ، وإلا فما الذي استفاده من هذا، وخصوصا أنه لم يذكر سببا للمفاضلة-كما تقدم- بل ولم يذكر في ديباجة مقاله سببا لكل هذا المقال، ولا سببا لكتابته بهذه الطريقة، وإنما علمنا بعض ذلك من مشاركاته بعد الاعتراض على المقال.

ثم إن مقلدي الإمام لهم أن يقولوا لم يثبت عندنا فضل من تقول على إمامنا، وما أوردته من تفضيل بعضهم عليه معارض بمثله من أقاويل أهل العلم، وربما أقوى وأكثر. وهذا تفصيله:

فمن الذين ثبت فضلهم على الإمام عند الشيخ: ابن أبي ذئب، -رحمه الله- فقال: وفي تاريخ بغداد (2\ 298) عن أحمد بن حنبل قال: «كان ابن أبي ذئب ثقة صدوقًا، أفضل من مالك بن أنس» .وقال: وفي (2\ 301) أن شاميًا سأل الإمام أحمد: «من أعلم، مالك أو ابن أبي ذئب؟» . فقال: «ابن أبي ذئب في هذا أكبر من مالك، وابن أبي ذئب أصلح في دينه وأورع ورعًا، وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين. وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر، فلم يهبه أن قال له الحق. قال:"الظلم فاشٍ ببابك". وأبو جعفر: أبو جعفر (يقصد في ظلمه وبطشه، حتى أنه قتل عمه) » .قلت: حذف الشيخ من النص الأول-كما هي عادته- بقيته، ليخفي كل فضيلة للإمام، وبقية كلام الإمام أحمد-رحمه الله- ... أفضل من مالك بن أنس، إلا أن مالكا أشد تنقية للرجال منه، ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث.

والذي أظنه من سياق التفضيل المذكور أن هذا التفضيل إنما هو في صدع الإمام ابن أبي ذئب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمام الحكام، أما في العلم والرواية فقد قال الإمام الذهبي

في تعقيبه على التفضيل المبتور الذي نقله الشيخ عن الإمام أحمد-رحمه الله- قال: (قلت: وهو أقدم لقيا للكبار من مالك، ولكن مالكا أوسع دائرة في العلم، والفتيا، والحديث، والإتقان منه بكثير) . فهل تريد أكبر من هذه الشهادة يا شيخنا؟

وأما الأربعة الآخرون الذين ذكر الشيخ تفضيلهم على الإمام وهم: أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، و سفيان الثوري، والليث بن سعد.

فأقول: إن تفضيلهم على الإمام معارض بمثله أو بما هو أقوى منه- إن شاء الله- وهم فوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت