فهرس الكتاب
ذلك أئمة علماء- رحمهم الله-وما أذكر ما أذكر إلا لما يقع في نفوس القراء من أمثالي ممن لاباع لهم في العلم، عند قراءتهم لما ذكر من تفضيل المذكورين على الإمام أن يظنوا بالإمام ما لا يليق، فلولا ذلك ما ذكرته.
قال الشيخ: وروى حيان بن موسى المروزي قال: سُئِلَ ابن المبارك: مالك أفقه أو أبو حنيفة؟ قال: «أبو حنيفة (أفقه من مالك) » . وفي تاريخ بغداد (13\ 343) عن محمد بن مقاتل (أبو الحسن الكسائي، ثقة متقن) قال: سمعت ابن المبارك قال: «إن كان الأثر قد عُرِفَ واحتيج إلى الرأي، فرأي: مالك وسفيان وأبي حنيفة. وأبو حنيفة: أحسنهم وأدَقّهم فِطنةً وأغوصهم على الفقه. وهو أفقه الثلاثة» .
أما تفضيل ابن المبارك - رحمه الله - الإمام أبا حنيفة على الإمام في دقة فقهه، وأبو حنيفة أهل لذاك - رحمه الله - فمعارض بما اشتهر من مناظرة الإمام الشافعي للإمام محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، حول المفاضلة بينهما وكيف حج الشافعي محمدا، وظهر فضل الإمام عليه، فلتنظر أصح رواياتها في تقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
ومعارض بقول ابن مهدي-رحمه الله- وقد سئل: من أعلم؟ مالك أو أبو حنيفة؟ فقال: مالك أعلم من أستاذ أبي حنيفة. ذكره في المدارك 1/ 153 و أصله في تقدمة الجرح والتعديل1/ 11.
ثم قال الشيخ بعد أسطر: وفي (2\ 175) عن يحيى بن صالح قال: «محمد بن الحسن -فيما يأخذه لنفسه- أفقه من مالك» .
وأما محمد بن الحسن - رحمه الله - فإنما يقارن بأهل طبقته في العلم، فأين محمد تلميذ الإمام مالك التابع للإمام أبي حنيفة في أغلب أرائه، من الإمام مالك المجتهد المستقل صاحب المذهب.
ويحيى بن صالح الوحاظي الذي نقل عنه الشيخ تفضيل محمد على الإمام، إنما هو صاحب ملاصق لمحمد وعلى مشربه في الأخذ بالرأي- وهذا مدح المحب- وقد نقل عنه بعضهم قولا أشد من هذا في تفضيل محمد على الإمام يضحك الثكلى ما أراه يصح عنه.
وهنا فائدة أسوقها للشيخ تنفعه أكثر إذا أصر على التفضيل المذكور، فقد قال الكوثري في كتابه [بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني] ص 16 عند ذكره لهذه الحكاية التي تستهويه وأمثاله: (وما بين القوسين - يقصد عبارة [فيما يأخذه لنفسه] هكذا في النسخة المطبوعة ولعله مدرج من مصحح الطبع) فهل بعد هذا تعصب وتحامل؟!!
قال الشيخ: وفي (9\ 164) عن علي بن المديني قال: سألت يحيى بن سعيد قلت له: «أيما أحب إليك، رأي مالك أو رأي سفيان؟» . قال: «سفيان! لا يُشَكُّ في هذا ... سفيان فوق مالك في كل شيء، يعني في الحديث وفي الفقه وفي الزهد» .