فهرس الكتاب
أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال: لا، إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم.
وكان يقبل هدايا الخلفاء خاصة، لما لهم من قوة التصرف خلافا للولاة، كل ذلك على أساس قول أبي ذر- رضي الله عنه - للأحنف بن قيس، وقد سأله عن العطاء: خذه فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنا لدينك فدعه. والإمام تركه لرغبة أحد الخلفاء في الذهاب معه إلى دار الخلافة بالعراق، محتجا بالحديث: [والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون] . فكيف لو طلبوا أكثر من ذلك؟.
في المدارك2/ 96 (قال ابن وهب وابن عبد الحكم: قال مالك: دخلت على أبي جعفر فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبل يده المرتين والثلاث، فرزقني الله العافية من ذلك فلم أفعل.
ومن العلامة البارزة في مواقف الإمام السياسية، لزومه لجماعة المسلمين، ومجانبته كل المخالفين والمنشقين عنها، وآراؤه وأقواله في حكمهم أشهر من أن تذكر.
ومن أبرز العلامات في علاقته بالخلفاء موعظته لهم بالحكمة والرفق، لما يرجوا من صلاحهم بذلك، وقد نفع الله به فعلا، وكان يقول: لولا أني آتيهم ما رأيت للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في هذه المدينة سنة معمولا بها. وقصة استشارة المهدي له في أمر إعادة بناء الكعبة، وفي نقض المنبر، وفي تقديم الإمام نافع للصلاة، ورجوعه إلى رأيه أشهر من تذكر، وغير ذلك من النصائح التي قدمها الإمام للخلفاء والأمراء، فعملوا بها فكان للأمة فيها خير كثير.
وفوق كل هذا فقد كان مستعليا عليهم بفضل الله، ثم بما وهبه الله من جلال العلم وبهائه-رحمه الله- فما رأيناه مداهنا، ولا ساكتا عن منكر، ولا مخالفا لهدي مها صغر في أعين البعض، وما قصة مجيء أبناء الخلفاء إليه لطلب العلم، بعد أن كانوا يطمعون بمجيئه إليهم، ثم مساواتهم بباقي الطلبة بخافية على أحد، وما جاء من تواضع الخلفاء عنده للعلم، وموافقتهم على القراءة عليه كما هي طريقة مشائخه في التعليم، خلافا لما أراده أبناء الخلفاء، من طلب قراءته عليهم، وغير ذلك، فهل من أبى عليهم هذه الأمور العارضة من مسائل التعليم، يرضى لهم مخالفة الشرع في صغير أو كبير، ويقال عنه إنه يسير في ركابهم، أو تم احتواؤه من قبلهم، اللهم إن هذا منكر من القول.
ولو ذهبت أتتبع لك أخبار الإمام وسلوكه مع الخلفاء لطال الكلام، فانظر بعض ذلك في المدارك، في باب أخبار مالك مع الملوك، ووعظه إياهم .... وانظر في ذلك ما كتبه الشيخ أبو زهرة والخولي- رحمهما الله - فهل تجد لما ذكره الشيخ هنا أثرا؟!
هذا بعض ما أردت إيضاحه من موقف الإمام مع الخلفاء، وحسبي أني ذكرت النصوص في ذلك وما تركته أضعاف ما ذكرته، فإن كان الشيخ مصرا على ما يدعيه فليأتنا بأحسن مما جئناه به، أما الكلام المرسل هكذا بلا خطام ولا زمام فلا يعجز عنه أحد.