فهرس الكتاب
مضى الناس، أو هنا وقف الناس، أو قول الراوي عنه: فأمسك)، قال القاضي عياض بعد ذكره الروايات المتقدمة: زاد في رواية أبي مصعب، ثم استوى الناس. المدارك 2/ 46. ولا يخفى على القاري اللبيب ما في إطلاق كلمة الناس هكذا من الإيهام. ثم إن هذه اللفظة ليست من [عنديات] الإمام كما يقولون، ولو كلف الشيخ نفسه وراجع الفتح قبل أن يتكلم في هذا لوجدها بعينها في إحدى روايات حديث ابن عمر-رضي الله عنه-في المفاضلة.
ثم كيف فهم من هذا: أن الإمام يرى مساواة علي لسائر الناس، وهو يرى- لو اطلع على المدارك بنفسه- بعد اللفظ الذي ذكره القاضي في رواية أبي مصعب - مباشرة - [وقال البزار: سألت أبا عاصم النبيل عن التقدمة في السلف، فقال حمزة وجعفر. قلت: نحن في العشرة، فسكت، ثم قال: كان مالك يقدم حمزة] . وله ولأتباعه كلام آخر في المفاضلة بين أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، وغير ذلك لا نطيل بذكره.
ثم قال الشيخ:
ونقل أبو بكر الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فحدثنا ربيعة الرأي -وهو أُستاذ مالك ومعلمه- فكنا نستزيده، فقال لنا ذات يوم: «ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق؟» . فأتينا ربيعة، فقلنا: كيف يُحْظَى بِكَ مالِكُ، ولم تُحظَ أنت بنفسك؟ فقال: «أما علمتم أن مثقالًا من دولة، خيرٌ من حِمل علم» . انظر: طبقات الفقهاء لأبي إسحاق (ص54) ، و تاريخ بغداد (8\ 424) . وفي هذا النص إشارة إلى دور السياسة والحكومة في ترسيخ المذاهب وتقديم المفضول مع وجود الفاضل.
قلت: الشيخ يزعم أن الإمام لم يكن معروفا قبل خلافة أبي جعفر، وما درى الشيخ أن أبا جعفر بويع بالخلافة أول سنة137ه، وأن ربيعة - رحمه الله - توفي سنة 136ه، فهذا النقل مما يُبطل قولَ الشيخ المتقدم لو تأمله جيدا. ثم يضاف إليه أن اتصال الإمام بأبي جعفر المنصور إنما عرف أثناء حجه سنة 148ه تقريبا، وبعد انتهاء الصراع مع محمد النفس الزكية - رحمه الله - وتوطد الممالك لأبي جعفر. فليصحح الشيخ النقل، وليفهمه جيدا، ثم يستدل به بعدُ.
هذا وفي النص سقط واختصار أعرضت عنه، فليراجع في مصدره.
ثم قال الشيخ: واتخاذ هذا الموقف من قِبَلِ مالك لمصالح الحكام، جعل أُستاذه ربيعة الرأي يبتعد عنه ويكرهه، لأنه كان لا يداهن السلطان ولا يرتضي التعامل معهم.
فلذلك هجر الناس - تبعًا للحكومة - ربيعة الرأي، والتفوا حول مالك. فاستجاب مالك لطلب المنصور، وألف"الموطأ"مع علمه بأن أهل العراق لا يستجيبون لما كتبه، لكن المنصور طمأنه بأنه سيحملهم عليها بالقوة والسلطان! فصار"الموطأ"دستور الحكومة، وأول كتاب دون في الحديث