فهرس الكتاب
للدولة العباسية. وروى أن القزاز قرأ الموطأ على مالك ليعلمه للرشيد ويبينه. وأمر الرشيد عامله على المدينة بأن لا يقطع أمرًا دون مالك. واشتهر عن الرشيد أنه كان يجلس على الأرض أمامه لاستماع حديثه.
قلت: الدعوى عريضة - كما أسلفت - ولا دليل عليها، ولا بيان للموقف المشار إليه بهذا، وحيث لم يصرح الشيخ بمراده في هذا الأمر خاصة، فليس لنا إلا السكوت، فالمكان والزمان لا يسمحان بالخوض في بيان هذا الموقف الذي يلمح إليه الشيخ، وقد ذكرت للقراء إجمالا موقف الإمام من خلفاء بني العباس في أول هذا المبحث من المناقشة، بما لا يخرج الإمام عن منهج أهل السنة والجماعة في مواقفه تلك. فلا معنى، ولا صحة- أصلا- لقول الشيخ-مرتجلا-: [واتخاذ هذا الموقف من قِبَلِ مالك لمصالح الحكام، جعل أُستاذه ربيعة الرأي يبتعد عنه ويكرهه، لأنه كان لا يداهن السلطان ولا يرتضي التعامل معهم] .فالعلاقة بين الإمام وشيخه لازالت طيبة إلى أن غادر ربيعة المدينة إلى العراق، عندما طلبه أبو العباس السفاح لوليه القضاء، فتوفي ربيعة - رحمه الله - بالأنبا ر مدينة السفاح سنة 136، وقيل توفي بالمدينة. تاريخ بغداد8/ 426، وغمز الإمام بالمداهنة فيه ما فيه، والملتقى بين يدي حكم عدل، ولم يذكر الشيخ مصدرا ولا دليلا على كلامه الباطل هذا، وكان الأولى بنا الإعراض عنه لسخفه، وسقوطه، ولكن نبهت إليه خشية أن يغتر به بعض الأغمار ممن حسن ظنه بالشيخ، ولما يراه ِمن ذكر لبعض الأئمة في مقاله فيحسبه قولا لبعضهم - لا قدر الله - وقد برأ الله الإمام من هذا، كما برأ أهل العلم أن يظنوا به ذلك.
وقول الشيخ: فصار الموطأ دستور الحكومة .... وما الضير في ذلك يا شيخ لو حدث أليس فيه نصرة لشرع الله. وكذا أمر الرشيد عامله ألا يقطع أمرا بدون إذن الإمام، أليس هذا غاية ما يتمناه العلماء اليوم؟ أم أنك ترى الإمام ليس أهلا لذلك؟! ولا تظنن يا شيخ يخفى عليّ ما تقصد بكل هذا الكلام. فأنا أعلم أنك تذكره لبيان موضع الإمام عند الخلفاء، وفوق ذلك تزعم أنه بذلك يسير في ركابهم، بل وتم احتواؤه، بل ولعلك تزيد فتزعم أنه أصبح ألعوبة في أيديهم. وكل هذا من الباطل، فإنهم وإن قصدوا كسب ود الإمام وسكوته عليهم، ولكن ذلك ليس على حساب شرع الله، ومصالح المسلمين، وقد سبق بيان ذلك، وإنما أردت بهذا أن أبين للشيخ أنه إذا قدر الله واطلع على كلامي هذا، فلعله يظن أني أرد عليه بعض نقوله تلك، وأنا في غفلة عما يرمي إليه ويقصده من سوقه لتلك الروايات. وقد صرح الشيخ ببعض ما تقدم في مقاله بالمنتدى المعنون ب [الرد على كتاب صحة أصول أهل المدينة] فقال: سبب مديح المنصور لمالك ليس إعجابًا به ولا بمدينته، ولا نصرة للفقه، ولكن لسبب سياسي. قلت: لو سلمنا جدلا صحة ذلك فلماذا لا تستفيد الأمة من الإعجاب بالإمام ومن طلب مرضاته، ويكون ما ذكره الشيخ من موافقة الإمام على تأليف الموطأ، واستشارة