فهرس الكتاب
حدوث المذاهب الأربعة وانتشارها عند جمهور المسلمين].
والمتأمل في كلام الشيخ في هذه الفقرات، يجده يحاول حصر هذه الأسباب في أمر واحد، وهو السلطان وما له من أثر في فرض المذهب على الناس، ولولا ما نقله عن العلامة ابن خلدون من ذكر سببين آخرين لانتشار المذهب - في أحدهما موافقة لهوى الشيخ - ما ظننت أن الشيخ يعول على غير السلطان وأثره في نشر المذهب، فبعد أن أبدى الشيخ وأعاد في مسألة علاقة الإمام ببني العباس، وصرح بأن الإمام يسير في ركابهم وأنه قد تم احتواؤه من قبل خلفائهم، وألمح- ظلما- إلى مداهنته لهم، وهذا ما برأه الله منه بفضله ورحمته، فهاهو الشيخ يعود ليؤكد على دور الخلفاء في نشر مذهب الإمام مالك، كأنه يريد أن يقول: إنهم يكافؤن الإمام بنشر مذهبه جزاء لسيره في ركابهم و ثم إذا وضعت مع هذه قول الشيخ - في نهاية حديثه عن انتشار المذهب المالكي-: [لم يكن مالك في حقيقة الأمر صاحب مذهب مؤسس على قواعد واضحة، وإنما كان شيخًا يفتي] = تبينت لك بجلاء حقيقة أكبر مما قدمته لك سابقا، وهي أن الشيخ يريد أن يقول: إن الإمام مع أنه ليس في المستوى المطلوب - كما يقال- للأسباب التي أوردها الشيخ، في أول مقاله، وفي وسطه، وفي آخره = لكن مع هذا كافأه خلفاء بني العباس وغيرهم بنشر مذهبه. لأنه كان يسير في ركابهم و والبقية يعرفها القاري مما صرح به الشيخ، ومما يفهم من كلامه - فمفاهيم الشيوخ معتبرة كما يقولون -. وكل ما صرح به الشيخ، وما لم يصرح به لم يكن - بحمد الله -.
قلت: كان الشيخ قد مهد للكلام على أسباب انتشار علم الإمام ومذهبه، بجمل سبقت في حديثه عن الإمام وعلاقته بخلفاء بني العباس من ذلك قوله: لم يكن الإمام مالك معروفًا في العهد الأموي الذي عاش فيه ما يقارب الأربعين عامًا، لكنه عُرِفَ أثناء خلافة المنصور الخليفة العباسي. وقوله: فلما وجد استجابة من مالك، أعجب المنصور بذلك، وعرض عليه إجبار عامة المسلمين في كل البلاد على اعتناق مذهبه، وقوله: ومما شجّع العباسيين على نشر مذهب مالك، أنه كان يرى مساواة علي. وقوله: وفي هذا النص إشارة إلى دور السياسة والحكومة في ترسيخ المذاهب وتقديم المفضول مع وجود الفاضل.
ثم قال الشيخ محمد الأمين مؤكدا ومقررا لدور السلطان في نشر علم الإمام ومذهبه: وبذلك صار ذا منزلة ومكانة في الدولة، وقد اعتنى به المنصور وغيره من خلفاء بني العباس، حتى أنّ المنادي كان يهتف أيام الحجّ أنّ: «لا يُفتي الناس إلاّ مالك بن أنس، وابن الماجِشون» . وقد رووا عن ابن وهب، قال: حججت سنة ثمان وأربعين ومئة (148 هـ، أي في آخر خلافة المنصور) وصائح يصيح: «لا يفتي الناس إلاّ مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة» . وقد ساعد ذلك في انتشار مذهب مالك، واتساع دائرته، خاصة في شمال إفريقيا (القيروان) حيث لم يكن له منافس. ثم منها