الصفحة 70 من 142

انتشر فيما بعد إلى إفريقيا الغربية والوسطى. وكان الناس يأتون من إفريقيا للحج، فلا يجدون فقيهًا تجيز له الدولة الفتوى إلا مالكًا، فأخذوا مذهبه. بل انتشر في مصر كذلك بعد وفاة إمامها الليث، حيث ساهم تلامذة مالك في إتلاف كتبه وتضييع فقهه، رغم أنه كان أفقه من مالك، كما نص الشافعي. أما في العراق، فقد وصل مذهبه إلى بغداد والبصرة، لكنه كان يواجه منافسة قوية من فقهاء العراق، رغم محاولة فرضه بالقوة. وكذلك في الشام جوبه بمذهب الإمام الأوزاعي.

قلت: دور السلطان في نشر المذاهب أمر معروف غير منكور، وما أظن أحدا ممن درس تاريخ التشريع يجهل ذلك أو ينكره، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يكفي أمر السلطان وحده حتى يتم فرض أي مذهب أو رأي من الآراء؟ أم لابد من عوامل أخرى تساعد على تنفيذ هذا التوجه من قبل الحكام؟ وعبارة الشيخ الأخيرة في الفقرة السابقة- ... رغم محاولة فرضه بالقوة ... - فيها الجواب على هذا السؤال لو أنصف الشيخ؟! فالمشكلة في كلام الشيخ هي محاولته حصر أسباب انتشار المذهب المالكي أو غيره في هذا السبب وحده، فلو كان الأمر كما يتصوره الشيخ محمد لما بقي لمذهب مالك أثر ولا عين بعد الذي تعرض له علماء المذهب من ولاة بني الأغلب خلال القرن الثالث الهجري كاملا، من ضرب وتنكيل، ومحاربة، كل ذلك محاولة منهم لنشر مذهب الخلافة العباسية بدلا من مذهب الإمام مالك في الشمال الأفريقي. ولم يكد يشارف القرن الثالث على الانتهاء حتى تولى بنوعبيد الشيعة الحكم في معظم الشمال الأفريقي، وغير خاف ما قاموا به من محاولات لنشر مذهبهم الضال في مناطق نفوذهم، وما تبع ذلك من قتل وتعذيب وغيره لفقهاء المذهب المالكي الذين وقفوا بكل صلابة أمامهم، استمر ذلك قرابة قرن ونصف من الزمان، ثم ما تعرض له المذهب المالكي من محاربة شديدة على يدي الخليفة الموحدي أبي يوسف يعقوب، الذي أحرقت في عهده الكثير من أمهات كتب المذهب المالكي، وضرب علماؤه ونكل بهم، وأخذ عليهم العهد بالأيمان المغلظة أن لا يتمسكوا بشيء من كتب الفقه المالكي، وقد أظهر بعمله هذا ما كان يخفيه أبوه وجده من رغبة في إزالة المذهب المالكي من المغرب الأقصى.

قلت: ليرجع الشيخ إلى طبقات علماء أفريقية لأبي العرب التميمي، وطبقات الخشني، ومعالم الإيمان للدباغ، والمدارك لعياض، والبيان المغرب لابن عذارى المراكشي، والمعجب لعبد الواحد المراكشي، وغير ذلك من المصادر ليقف بنفسه على ما تعرض له المذهب من حكام تلك الفترات من اضطهاد، ومحاولة لإزاحته من الشمال الأفريقي. وإبداله بغيره من المذاهب الأخرى، فلم تفلح تلك المحاولات مع صدورها ممن لهم الأمر والنهي. فالمسألة أبعد من أمر يصدره سلطان أو حاكم: أن اتبعوا المذهب الفلاني أو اتركوا المذهب الفلاني. أو تنصيب بعض القضاة في البلد الفلاني، ثم توقع تمذهب الناس بمذاهبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت