الصفحة 71 من 142

وأما في مشرق الأرض وحيث الخلافة العباسية، فلم يبذل خلفاؤها جهدا كبيرا لنشر مذهب الإمام مالك في تلك الربوع الزاهية، وإنما كان تواجد المذهب هناك على يدي تلاميذ الإمام.

وما ذكره الشيخ محمد الأمين عن خلفاء بني العباس: من حمل الناس على مذهب الإمام وعلمه، وكتابة الموطأ بالذهب، وتعليقه على جدار الكعبة، وكتابته كما تكتب المصاحف، وإرسال نسخه إلى الأقطار، وصيرورته دستور الحكومة، كل ذلك حديث خرافة، و لم يكن منه شيء، لرفض الإمام كل ذلك، وقد كان الشيخ محمد حريصا على إخفاء رأي الإمام هذا، والإتيان بالروايات مبتورة، أو بالمعنى، وقد كان الإمام يقول لبعض الخلفاء عند سماع وعودهم تلك: [لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، عملوا به ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله- صلي الله عليه وسلم- وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل بلد لأنفسهم. فقال - أبو جعفر-: لعمري لو طاوعني؛ على ذلك لأمرت به] . الانتقاء ص 41. والشيخ محمد الأمين إنما يخفي قول الإمام هذا - كما أخفى غيره - لما فيه من دلالة على إنصاف الإمام وفقهه وواقعيته-رحمه الله-.

ومن يقف على ما كتبه القدماء والمعاصرون حول أسباب انتشار المذهب المالكي، يرجع بمجوعة من الأسباب العوامل ساعدت على انتشار المذهب وبقائه في المغرب الإسلامي حتى يومنا هذا، خلاصتها في هذه النقاط المقتضبة.

1.ما عرف به الإمام من التزام بعقيدة سلفه الصالح من الصحابة والتابعين، وشدة تمسكه بها، وكراهيته للخوض فيما لم يخوضوا فيه، وكلامه في هذا كثير معروف.

2.ما اشتهر به الإمام من علم بالسنة والفقه، وسعة مروياته في ذلك، مع الحفظ التام، والضبط الكامل، وشدة التحري والانتقاء.

3.صحة الأصول والقواعد التي سار عليها الإمام في اجتهاده، كيف لا وهي أصول علماء المدينة وفقهائها، من الصحابة والتابعين، وسيأتي مزيد بيان لهذا-إن شاء الله-.

4.ما رزقه الإمام من طول العمر- رحمه الله - ومباركة الله له، حيث صرفه في التعلم، ثم نشر العلم، مدة ستين سنة تقريبا.

5.تبع هذا كثرة تلاميذه والآخذين عنه، حتى أوصلهم البعض إلى قرابة ألف وأربعمائة، فيهم جماعة من كبار العلماء والفقهاء، وبعض أئمة المذاهب المتبعة في زمانهم.

6.رحلة الناس إلى الإمام من مشارق الأرض ومغاربها، لأخذ العلم عنه، حيث بلغهم علمه وفضله، ولوجوده في مدينة الرسول الأكرم- صلى الله عليه وآله وسلم - وهذا من أهم أسباب انتشار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت