الصفحة 77 من 142

الشافعي في أصول الفقه -على ما فيه من جدة وإبداع - بالعمل المتكامل الشامل لجميع مسائل أصول الفقه في ذلك الوقت. فما يقوله الشيخ محمد: عن مذهب الإمام مالك يقال: عن مذهب أبي حنيفة ومذهب الإمام أحمد المبجل - رحمهما الله - فكلاهما لم يدون أصولا لمذهبه، وإنما دونها تلاميذهما، وإن اختلفت مدد كتابة أصول كل منهم.

وأعود إلى كلام العلامة ابن خلدون بعدما شغلنا عنه الشيخ بذلك التفسير لكلامه، فأقول: إن الشطر الأخير من كلام العلامة ابن خلدون قد تعرض للنقض والرد من قبل مجموعة من الباحثين منذ زمن، وعلى رأسهم الشيخ محمد أبو زهرة - رحمه الله - حيث ناقش العلامة ابن خلدون في قوله هذا ورده بما خلاصته: أن تلك القضية ليست صحيحة، لا في المقدمة ولا في النتيجة، لأنه لم يصح أن المغاربة وحدهم الذين اعتنقوه -مذهب مالك - ولو سلم له أنهم جميعا أهل بدو ما ساغ لنا قط أن نسلم له بأن أهل مصر كانوا بدوا في ماضيهم السحيق، أو ماضيهم القريب .... وأن أهل الأندلس لم يصح أنهم كانوا بدوا، وكذلك أهل المدينة ومكة وخصوصا بعد العهد الأموي حيث فاضت عليهم الخيرات .... ، وإذا كان ذلك كذلك، فالمقدمة غير صحيحة، و كذلك ما نتج عنها، فلا يسوغ لنا أن نحكم بأن المذهب الذي اعتنقوه بقي غضا لم ينقح، وإن الواقع أن هذا المذهب نقح وخرج، واستنبطت أصوله، وفرعوا عليها، واتسعت آفاق التخريج اتساعا عظيما، منذ عهده الأول واستمر في تنقيح وحسن تخريج، واستنباط أصول، إلى أن تكامل واتسع وتنافس في ذلك علماء مصر والأندلس وخلاصة القول أن إمام المؤرخين قد تجنى على قومه البربر، وتجنى على مذهب إمام المدينة، فعفا الله عنه، وجزاه عن العلم خيرا. مالك لأبي زهرة ص399 - 401 باختصار وتصرف.

هذا وقد حاول الأستاذ علي عبد الواحد وافي في تحقيقه للمقدمة الخلد ونية توجيه كلام ابن خلدون والرد على الشيخ أبي زهرة فحمل كلام ابن خلدون: على تشابه الأوضاع الاجتماعية فيما يتعلق بالبداوة والحضارة بين أهل المغرب من جهة وأهل الحجاز وأن الحكم على مذهب مالك- وهو من أهم المذاهب الفقهية الإسلامية وأوسعها انتشارا- بأنه لا يصلح إلا للمجتمعات البدوية لا يمكن أن يصدر عن مسلم، فضلا عن ابن خلدون الذي كان من كبار أئمة المالكية، وقاضيا لقضاة هذا المذهب بمصر. المقدمة ص 1055.

ونأتي الآن إلى النص الثالث الذي احتج به الشيخ محمد الأمين لانتشار المذهب المالكي بنفوذ السلطان، وهو يتعلق بانتشار المذهب في الأندلس خاصة، وهذا النص هو كلام علامة الأندلس أبي محمد ابن حزم- رحمه الله وعفا عنه- وقد مهد الشيخ لرأيه هذا بقوله: وقد انتشر مذهب مالك -بعد وفاته- في الأندلس على يد يحيى بن يحيى بن أبي عيسى. وكان يحيى هذا مكينًا عند السلطان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت