فهرس الكتاب
(هشام بن عبد الرحمن الداخل) وكان يختار للقضاء من هم على مذهبه، فأقبل الناس إليه. وتوفي بقرطبة سنة (234 هـ) . وبذلك تم بالقوة استبدال مذهب الأوزاعي في الأندلس بمذهب مالك، مع منع المذاهب الأخرى. وبذلك نفهم سبب المعارضة الشديدة لابن حزم الذي حاول -عبثًا- تغيير التعصب و الجمود الفكري عند المالكية في الأندلس.
قلت: لو خفف الشيخ من حدة كلامه، وقيده بدل إطلاقه، واجتنب التعميم، لكنت انصرفت كلية عن مناقشته، والتعقيب عليه، فإنني لا أنكر- كما سبق- دور السلطان في نشر المذاهب الفقهية وغيرها، ولكن الاعتراض على إغفال باقي الأسباب التي ذكرت سابقا وغيرها، وهي من الأهمية بمكان في المسألة هذه، ثم إن كلام الشيخ السابق واللاحق عن الإمام ومذهبه، وعن علاقته بالخلفاء في المشرق والمغرب يوهم القراء أن انتشار المذهب بل وإمامة مالك مسألة ليس لها علاقة قوية بالعلم والمعرفة، بقدر ما لها من علاقة بالسلطان وما يتبعه، والشيخ يكاد يصرح بهذا في مقاله، والفقرة المقبلة في مقال الشيخ محمد الأمين بعد نهاية الكلام عن انتشار المذهب المالكي، تكاد تكون الختم على هذا كله، والدليل الذي لا يقبل النقض لمن خرج بهذه النتيجة التي أخبرتكم بها، ومن لم يمعن النظر في كلام الشيخ محمد الأمين لعله ينسبني إلى المغالاة والتطرف - وهما في زماننا متوفران بكثرة - في فهم كلام الشيخ، وتحميله ما لا يحتمل، وأنا أقول لقائل هذا الكلام: تأمل جيدا كلام الشيخ محمد الأمين، وانظر إليه بتجرد وإنصاف، وحذار أن تغر بدعوى تجديد أو اجتهاد، فهما ليس في هذا المقال البتة، أو أن تتأثر بتقليد مذموم، أو تعصب مقيت، فإنهما يعميان البصر والبصيرة حتى لا يكاد صاحبهما يرى حقا أو باطلا.
عرفت الأندلس أول ما عرفت من المذاهب الفقهية مذهب الإمام الأوزاعي- رحمه الله - إذ دخلها عن طريق الفاتحين من أهل الشام، فقد كانوا على مذهبه - رحمه الله - لإقامته بينهم، وكان شيخهم بالأندلس آنذاك صعصعة بن سلام، ثم لما رحل إلى الحجاز جماعة من أهل الأندلس للحج وطلب العلم تعرفوا على الإمام مالك، فسمعوا منه وأخذوا عنه العلم، ولما رجعوا إلى ديارهم قاموا بتعريف الناس بفضل الإمام وعلمه، ورووا لهم كتابه الموطأ، وشيئا من مسائله وأجوبته، وبذلك رغبوا طلبة العلم في الرحلة للمشرق للأخذ عن علمائه كافة، والإمام مالك خاصة، وكان على رأس الراحلين الأوائل أبو محمد الغازي بن قيس ت199ه، وهو أول من أدخل الموطأ وقراءة نافع إلى الأندلس، ومنهم أبو موسى عبد الرحمن بن موسى الهوا ري، وسعيد بن أبي هند، ويحيى بن مضر القيسي ت 189ه، وكانت رحلة الثلاثة الأوائل منهم في صدر خلافة عبد الرحمن الداخل، وقد تولى سنة138ه، وتوفي 172هجرية، وفي عهده عرف مذهب الإمام مالك، ثم في عهد ابنه هشام بن عبد الرحمن (172 - 180) انتشر مذهب الإمام في الأندلس، على يدي الطبقة الثانية ممن رحل إلى الإمام