فهرس الكتاب
وأخذ عنه الموطأ رواية ودراية، وعلى رأسهم زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون توفي في عشر التسعين ومائة هجرية، وقرعوس بن العباس ت220ه، في جماعة آخرين. وفي هذه المرحلة بدأ تراجع مذهب الإمام الأوزاعي من الأندلس بسبب تخلي تلاميذه عنه، وعدم اهتمامهم بنشره، وقد نقل بعض الباحثين عن أبي زرعة في تاريخه أنه أشار إلى هذا عند حديثه عن أخبار الأوزاعي فقال: (روي أن سعيد بن عبد العزيز وهو من كبار أصحاب الأوزاعي كان يعاتب أصحاب الأوزاعي فيقول لهم: مالكم لا تجتمعون، ما لكم لا تتذاكرون) .
ثم منافسة تلاميذ الإمام مالك لهم، وميل الناس لمذهبه، مع إعجاب الخلفاء الأمويين بالإمام مالك، وإيثارهم لمذهبه على غيره عن علم ومعرفة - فقد كان القوم خلفاء علماء، وقد ذكرت كتب التأريخ والتراجم شيئا من ذلك- كل ذلك كان سبب اختيار أهل الأندلس رعاة ورعية لمذهب مالك.
ثم جاءت مرحلة سيادة المذهب ونفوذه بعد ذلك في عهد الحكم بن هشام، وكان ذلك على يدي الفقيه يحيى بن يحيى، و طالوت المعا فري ويحيى بن مضر ومن معهم من الفقهاء الذين تتلمذوا على الإمام مالك، أو على تلاميذه، ممن امتلأت بهم قرطبة آنذاك، ثم بعد وفاة الخليفة الحكم سنة 206هجرية، تولى ابنه عبد الرحمن بن الحكم، فزاد في تعظيم الفقهاء المالكية وعلى رأسهم الفقيه يحيى بن يحيى الليثي وكان من أمره ما كان في تولية القضاة. هذا باختصار تاريخ دخول مذهب الإمام مالك للأندلس وانتشاره بها، وقد ساعدت على ذلك عدة عوامل سبق الإشارة إلى بعضها، ومن أهمها الرحلة العلمية لأهل الأندلس للمشرق، وكثرة تلاميذ الإمام من الأندلسيين، ومحبة الإمام لهم، واهتمامه بشأنهم، ومحبتهم له وإعجابهم بعلمه وسمته وهديه، ومقام الإمام بالمدينة المنورة، وما لها من مكانة في نفوس المسلمين، كيف لا وهي مدينة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- و ليست مدينة مالك كما يقول الشيخ محمد الأمين - هداه الله - في أسلوب تهكمي، في مقاله: (الرد على كتاب صحة أصول أهل المدينة) الذي نشر بملتقى أهل الحديث. وإن كنت أعتقد أن الأرض لا تقدس أحدا، ولكن المسألة غير هذا، وللحديث عن هذا موضع آخر وإنما جرنا إليه الكلام على أسباب اختيار الأندلسيين لمذهب مالك - رحمه الله -. ثم يأتي السبب المهم والأوحد عند الشيخ محمد الأمين وهو نشر السلطان لهذا المذهب أو ذاك.
فقول الشيخ محمد: وقد انتشر مذهب مالك- بعد وفاته- في الأندلس خطأ، والصواب أثناء حياته. وقوله: وكان يحيى هذا مكينا عند السلطان (هشام بن عبد الرحمن الداخل) ... خطأ والصواب عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل. وقد تقدم ذكر سنة ولايته، وتقديمه للفقيه يحيى بن يحيى.
وقوله: وبذلك تم بالقوة لم يذكر الشيخ دليلا على هذا، وإن كان في بعض عبارات