فهرس الكتاب
القدماء ما يعزز نشر مذهب الإمام مالك بقوة السلطان، ولكن لم يذكر أحد أنهم أرغموا أوزاعيا على ترك مذهبه، أو ضرب أحد لتمسكه بمذهب الأوزاعي، وإن وجد الشيخ شيئا من ذلك فليذكره لنا. أما منع المذاهب الأخرى من التواجد بالأندلس فقد كان من بعض الخلفاء والفقهاء- نظريا- شيء من هذا، ولكن عمليا عرفت الأندلس الكثير من المذاهب الأخرى، فقد ذكر المؤرخون: أن الرحالة من قديم أدخلوا معهم شيئا من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود - رحمهم الله- ولكن الغلبة كانت دائما للمذهب المالكي. ولولا ضيق المقام لذكرت للشيخ طائفة ممن كان يتمذهب للأئمة المذكورين، وما بالنا نذهب بعيدا وهذا العلامة ابن حزم أمامه وقد أخذ بمذهب الإمام داود بن علي الظاهري فمن أين جاءه وهو بالأندلس وداود مشرقي؟! بل أزيد فأقول إن الأندلس عرفت مذاهب عقدية أيضا غير مذهب السلف أول أمرها، ومذهب الأشعري في آخر أمرها، فهناك من تمذهب بمذهب أهل الاعتزال وهناك من تشيع، ولا تلتفت أيها القارىء لهذا الكلام إلى من يقول: إن هذا كان نادرا في الأندلس خاصة، لأنه إن كانت المذاهب العقدية المخالفة نادرة، فالمذاهب الفقهية لم تكن كذلك، وخاصة المذهب الشافعي والظاهري الذي كان في فترة ما يزاحم المالكية مزاحمة شديدة. وهذا الموضوع يحتاج لدراسة مستقلة، لأني أعلم أن المشهور في أوساط الباحثين غير ما قلته لك.
وقول الشيخ: وبذلك نفهم سبب المعارضة الشديدة لابن حزم الذي حاول -عبثًا- تغيير التعصب و الجمود الفكري عند المالكية في الأندلس. قلت: التعصب والجمود الفكري أصاب عموم الأمة من زمن، و أهل الأندلس جزء من أمة الإسلام، وكونه في الناحية الفلانية أشد من الناحية الفلانية، لا يغير شيئا من الواقع المرير. وهذا الكلام الذي يقوله الشيخ بل يكرره: ما هو إلا صدى لما قاله ابن حزم - رحمه الله - في الماضي السحيق، وكرره كثير من الباحثين بدون ترو ولا تمحيص على أهل المغرب الإسلامي عموما، والقوم يدعون الموضوعية، وتطبيق القواعد العلمية، فصدور هذه الكلام منهم من أغرب ما يكون، (ونحن لا نستغرب صدور هذه التهمة من الحافظ ابن حزم، فصراعه مع مالكية عصره معروف، فمضايقتهم له، واتهامهم إياه، وإحراق كتبه، واستخفافهم بآرائه ومذهبه كل ذلك كان له أثره في نفسيته ولاشك، ولذلك فإن رأيه هذا لايمكن إلا أن يصنف ضمن الخصومات المذهبية والصراعات الفكرية) . ومبعث هذا القول هو عدم المعرفة بتراث أهل الأندلس من فقهاء المالكية، وعلمائها وأدبائها، وما تركوه من أثر في العلم والمعرفة، قبل زمن ابن حزم وبعده، فلو كلف الشيخ نفسه، واطرح التقليد الذي يعيبه على غيره جانبا، ونظر في التراث الأندلسي لرأى ما يسر الخاطر، ويغير معه - إن شاء الله - رأيه في فقهاء الأندلس المالكية، ولوجد الكثير من علماء الأندلس قد اتخذ لنفسه طريقا اتبع فيه غير الإمام مالك - رحمه الله - ولوقف على الكثير من علماء المالكية الأندلسيين ممن خالف إمامه مالكا في كثير من المسائل، لدرجة أن كتب الدكتور أحمد يوسف بحثا بعنوان [ما خالف الأندلسيون فيه مذهب مالك] طبع في