فهرس الكتاب
دار الثقافة بالقاهرة 1990. وهذا يحيى بن يحيى ناشر علم الإمام بالأندلس يخالفه في بعض المسائل مرجحا فيها رأي الإمام الليث على رأي شيخه وإمامه مالك، وغيره كثير من أمثال ابن الفخار القرطبي، وعبد الملك بن حبيب، وهناك أمور معروفة يتناقلها أهل العلم في مخالفة مالكية أهل الأندلس لإمامهم مالك - رحمه الله - لو تتبعها الشيخ لوجدها في مظانها. وكذلك ما اشتهر عندهم من مخالفتهم لشيخ المذهب ابن القاسم - رحمه الله - في عدة مسائل معروفة مشهورة.
ورأي ابن حزم- رحمه الله - لو سلمنا بصحته، فلا ينطبق إلا على من عرفهم وناظرهم، وهم لاشك محدودون، مكانا وزمانا فليس كل أهل الأندلس عرف ابنُ حزم، وهذه الأمور ليست مما يؤخذ بالقياس، وإن كان ابن حزم لا يقول به. ورسالته في فضل الأندلس وأهلها تؤيد هذا وتعززه - فالفكر والعلم أساس التفضيل عنده - فمن كان وصفهم ما ذكره ابن حزم في رسالته، لا شك أن الجمود الفكري، والتعصب المذهبي عندهم أقل من غيرهم، وإن كان يوجد في بعضهم.
ثم ذكر الشيخ كلام ابن حزم - رحمه الله - في سبب انتشار المذهب الملكي بالأندلس فقال:
يقول ابن حزم كما في"نفح الطيب" (2\ 6) : «مذهبان انتشرا -في بدء أمرهما- بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي القضاء أبو يوسف، كانت القُضاة من قِبَلِهِ من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية. فكان لا يولّي إلا أصحابه والمنتسبين لمذهبه. ومذهب مالك -عندنا بالأندلس-. فإن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان مقبول القول في القضاة. وكان لا يلي قاضٍ في أقطار بلاد الأندلس، إلا بمشورته واختياره. ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه! والناس سُرّاعٌ إلى الدنيا. فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به ... » .
قلت: ترك الشيخ تكملة النص كعادته في بتر النصوص، وانتقائه منها ما يعجبه وترك الباقي، وتكملة النص: ( .. على أن يحيى لم يل قضاء قط، ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدا في جلالته عندهم وداعيا إلى قبول رأيه لديهم) . نفح الطيب2/ 10.طبعة إحسان عباس، دار صادر/بيروت 1408. فانظر لم حذف الشيخ هذه التكملة من كلام ابن حزم - رحمه الله -. ولم الاختلاف في أرقام الصفحات، هل ينقل الشيخ من نسخة أخرى بينها وبين ما ننقل منها هذا التقارب في أرقام الصفحات؟!
قال الشيخ محمد الشاذلي النيفر- رحمه الله- في مقدمة الموطأ - برواية ابن زياد- ص30: (ولا عبرة بما يقوله ابن حزم من أن مذهب مالك إنما انتشر في الأندلس بسبب السلطان، لأن قصارى ما تمسك به هو أن يحيى بن يحيى احتكر القضاء لمعتنقي مذهبه، وهذا وإن كان له تأثير فهو تأثير في أفراد معدودين تغمرهم الأغلبية الساحقة من الأمة. وإنما هو التأثير لمدرسة هذين الرجلين فهما قد استطاعا أن يبرزا أصول المدرسة المالكية إبرازا يجلب الأنظار، ويمتلك الأفكار، ويجتذب النفوس