فهرس الكتاب
إلى حظيرة تلك الأصول.
فلو أن السلطان يقهر الأفكار على المبادىء لكان لسلطان العبيد يين من اجتذاب الأفكار ما أبقى مذهبهم سائدا في الشمال الأفريقي، فقد تفننوا غاية التفنن، وشددوا على العلماء في عدم نشر المذهب المالكي، وأفسحوا لدعاتهم ومكنوهم من كل الوسائل رجاء أن يقضوا على مذهب أهل السنة والجماعة، ويحلوا محله مذهبهم لكنهم لم يستطيعوا أن يغيروا من عقيدة الناس شيئا، كما أنهم حصروا الوظائف كلها في معتنقي مذهبهم ومع ذلك لم يصنعوا شيئا مذكورا، فادعاء أن المذهب المالكي انتشر في الأندلس وإفريقية بواسطة السلطان ادعاء يفنده التاريخ، ويذيبه التحليل التاريخي). ثم أشار الشيخ النيفر- سراعا- لبعض أسباب انتشار المذهب في الأندلس وإفريقية. فلا نطيل بذكره، فقد علم مما تقدم.
ومما يستدل به لإبطال التعميم والإطلاق في كلام ابن حزم السابق: أن ظهور المذهب المالكي كان في عهد هشام بن عبد الحمن، بل عرف في عهد والده، وقد تقدم ذكر ذلك ملخصا، فهؤلاء الذين سبق ذكرهم في أول كلامي عن انتشار المذهب بالأندلس، قبل ذكر يحيى الليثي؛ لم يكونوا أصحاب نفوذ حتى يخشاهم الناس، وإنما كانوا علماء أجلاء، رحلوا إلى المشرق ثم عادوا وقد حملوا معهم علما وفقها نشروه بين الناس، فأصبحوا أهلا للإقتداء بهم.
وكذلك ما يقال عن احتكار يحيى الليثي للمناصب العليا فليس على إطلاقه، فقد تولى القضاء في عهده من كان على غير اتفاق معه، منهم يحيى بن معمر، وكذلك عبد الملك بن حبيب الذي لم يكن متوافقا مع يحيى.
وأما الإسراع إلى الدنيا عن طريق تولي القضاء، فلعل بعض ذلك قد كان، ولكن الذي نتيقنه أن هذا الأمر في ذلك الزمن كان ضعيفا، فالقوم كانوا قريبي عهد بالخير والزهد والفضل والبعد عن الرياسة والسلطان، وأمر تولي القضاء كان من أشق الأشياء على نفوسهم، ولهم في ذلك قصص ووقائع معروفة في مشرق الأرض ومغربها. انظر الفقهاء الذين رفضوا تولي القضاء في هذه الفترة في قضاة قرطبة للخشني.
ثم قال الشيخ محمد الأمين: وسبب تَبَنّي حاكم الأندلس لمذهب مالك، هو أن مالكًا سأل بعض الأندلسيين عن سيرة ملك الأندلس، فوصف له سيرته، فأعجبت مالكًا. فقال للأندلسي: «نسأل الله تعالى أن يُزيِّنَ حَرَمَنا بملِكِكُم» . فبلغ هذا ملك الأندلس، فحمل الناس على مذهب الإمام مالك وترك مذهب الإمام الأوزاعي. وانظر نفح الطيب (3\ 239) .
قلت: وهذا أنموذج آخر مما ذكرته سابقا من اكتفاء الشيخ بنقل معنى النص بدل نقله بلفظه