الصفحة 83 من 142

كاملا، وهو إنما يفعل ذلك لأسباب لا تخفى على فطنة القارىء اللبيب. وأنا أذكر لكم نص كلام صاحب النفح كاملا، لكي تعرفوا جيدا لم اقتصر الشيخ على ذكر معنى النص دون لفظه. وقد وضعت خطا تحت الجمل التي حذفها الشيخ من كلام المقري تساعد على معرفة غرض الشيخ.

قال المقري - رحمه الله - في نفح الطيب3/ 230:(واعلم أن أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي وأهل الشام منذ أول الفتح، ففي دولة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن - وهو ثالث الولاة بالأندلس من الأمويين- انتقلت الفتوى إلى رأي مالك بن أنس وأهل المدينة، فانتشر علم مالك ورأيه بقرطبة والأندلس جميعا، بل والمغرب، وذلك برأي الحكم واختياره، واختلفوا في السبب المقتضي لذلك، فذهب الجمهور إلى أن سببه رحلة علماء الأندلس إلى المدينة، فلما رجعوا إلى الأندلس وصفوا فضل مالك وسعة علمه، وجلالة قدره، فأعظموه كما قدمنا ذلك.

وقيل: إن الإمام مالكا سأل بعض الأندلسيين عن سيرة ملك الأندلس، فوصف له، فأعجبت مالكا لكون سيرة بني العباس في ذلك الوقت لم تكن بمرضية، وكابد لما صنع أبو جعفر المنصور بالعلوية بالمدينة من الحبس والإهانة وغيرهما على ما هو مشهور في كتب التاريخ؛ فقال الإمام مالك - رضي الله تعالى عنه - لذلك المخبر: نسأل الله تعالى أن يزين حرمنا بملككم، أو كلاما هذا معناه، فنميت المسألة إلى ملك الأندلس، مع ما علم من جلالة مالك ودينه، فحمل الناس على مذهبه، وترك مذهب الأوزاعي، والله تعالي أعلم).

قلت: هذا نص كلام المقري، ومعلوم أن غرض الشيخ في الجزء الثاني من النص، وإنما نقلته كاملا ليعلم أن الشيخ مطلع على أقوال أهل العلم في مسألة انتشار المذهب المالكي، ولكنه ينتقي ما يريده، وإن كان ضعيفا لا يثبت عند التحقيق، ويترك المشهور الصحيح، بل ويحاول إخفاءه كما في هذا النص المتقدم.

ثم اعلم أيها الناظر في تعليقاتي هذه - لازلت موصولا بكل خير- أن اختيار خلفاء بني أمية لمذهب مالك إنما كان عن علم ودراية، لا عن مجاملة سياسية كما يحاول أن يفهمنا الشيخ محمد الأمين - رعاه الله- فالقوم كانوا كما قدمت لك فقهاء أدباء مع كونهم ملوكا. وقد أشار إلى هذا المقري في بيانه لسبب اختيار الخليفة الحكم لمذهب مالك بقوله: مع ما عَلِم من جلالة مالك ودينه.

ثم قال الشيخ محمد الأمين مقررا ومؤكدا لما سبق من كلامه: وبذلك أصبح مذهب الإمام مالك، هو المذهب الرسمي للدولة الأموية في الأندلس. وما كانوا يعينون قضاة أو يسمحون لفقيه أو عالم، بالفتيا أو إلقاء الدروس، إن لم يكن من أتباع الإمام مالك. ولم يسمحوا لمذهب غيره بالوجود في الأندلس، كما فرض العباسيون في المشرق مذهب الإمام أبي حنيفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت