الصفحة 84 من 142

قلت: وبعد هذه الحقيقة الناصعة التي توصل إليها الشيخ، ألا يحق لنا أن نسأله- وهو من هو في كشفه لهذه الحقائق التي ستقلب دراسة تاريخ المذاهب الفقهية رأسا على عقب- كيف استطاع الإمام مالك أن يكون وزيرا تنفيذيا في حكومة خلفاء بني العباس، وفي نفس الوقت يكون مذهبه المذهب الرسمي لبني أمية في الأندلس، وبينهما دماء لم تجف بعد، وعهدهم بالتغيير الذي ذهب ببني أمية من مشرق الأرض وأتى ببني العباس قريب، فكيف رضي بنوأمية بهذا الوزير التنفيذي عند بني العباس، والذي يسير في ركابهم وتم احتواؤه من قبلهم، كيف يرضى به الأمويون مهيمنا فكريا وعلميا على دولتهم الفتية في مغرب الأرض؟!! أطمع بجواب من الشيخ في القريب - إن شاء الله - فقد أشكل عليّ الأمر.

وهكذا يستمر الشيخ في ملاحقة المذهب المالكي، والآن في القيروان، وما أدراك ما القيروان حيث المدرسة المالكية العريقة، ومركز علم المالكية بالغرب الإسلامي، القيروان بلد سحنون ومدونة الفقه المالكي، ومن قبله شيخه علي بن زياد وكتابه (خير من زنته) ، ثم بلد ابن أبي زيد مالك الصغير، وكتبه التي عليها المعول في الفقه المالكي، الرسالة، والنوادر والزيادات، ومختصر المدونة وغير ذلك، القيروان الصامدة التي تحطمت عندها رغبات الشيعة في نشر مذهبهم الضال في ربوع المغرب الإسلامي بل في العالم الإسلامي عموما، حيث بقيت شامخة بالمذهب السني الأثري بعلمائها ومن ورائهم عامة أهلها، أمام دعاة الشيعة من العبيديين ومن ورائهم خلفاؤهم من أهل الضلال. ومن قبلهم بنو الأغلب ومحاولاتهم الفاشلة لنشر مذهب أهل الاعتزال بها، فخرجت منتصرة نقية - بحمد الله-. والحديث في هذا يطول فما شأن الشيخ محمد الأمين بالقيروان؟ قال - حفظه الله: كما أن مذهب مالك، اصطدم في القيروان بمذهب أبي حنيفة أيام الرشيد، ودار صراع بين المذهبين. حتى جاء العبيديون الرافضة فاستولوا على إفريقيا. وبعد أن استقل عنهم المعز بن باديس، قضى على المذهب الحنفي، وفرض المذهب الحنفي فقط. قال المؤرخ ابن خلكان كما في"وفيات الأعيان" (5\ 233) : «وكان مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه بإفريقية أظهر المذاهب. فحمل المعز بن باديس الصنهاجي جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وحسم مادة الخلاف في المذاهب. واستمر الحال في ذلك إلى الآن» .

قلت: قد سبق فيما نقله الشيخ محمد الأمين من محاورة الإمام مالك لخلفاء بن العباس إشارة الإمام نفسه إلى انتشار مذهبه في المغرب الإسلامي، ولكن الشيخ نسي ذلك، فالظهور في كلام ابن خلكان محمول على أن المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي للدولة، وأما لدى علماء تونس والقيروان وعامتهما فالظهور لمذهب مالك - رحمه الله - واستمر الحال كذلك، على الرغم من وجود مذهب أبي حنيفة النعمان - رحمه الله - في تلك الجهات قبل المذهب المالكي، ولكن هذا لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت