الصفحة 89 من 142

لأن الأصول والمبادىء الكلية التي تتعلق بالطرائق الاستنتاجية التي بها تستخرج الأحكام التفصيلية من أدلتها الإجمالية، أو التي يرجع بالمعنى الواضح إلى حجية أنواع من الأدلة يراها حجة في إثبات الأحكام، وإلى تقرير أن أنواعا أخرى قد يراها غيره لا يرى هو حجيتها.

كان هذا المعنى هو الذي جعل مالكا واضعا لأصول المذهب حتى يصح أن ينسب المذهب إليه وصح أن يحسب فقهاء هذا المذهب عليه، مع أنهم قد يوافقونه وقد يخالفونه).

ونحن هنا نسأل الشيخ محمد هل وجد فيما قرأ حول أصول مذهب مالك - مع عدم وضوحها فيما يزعم - أن أصلا منها نسب إلى أحد تلامذة الإمام؟! أم وجدها كلها منسوبة للإمام مالك، ومعدودة من أدلته في اجتهاده. ولكنه بالمقابل سيجد المئات من الأحكام الشرعية العملية التي استنبطها التلامذة من خلال الأصول التي وضعها الإمام مالك أو أشار إلى أنها حجة في استنباط الأحكام.

ولعل هذا الذي شاهده من اجتهاد التلامذة في الفروع هو الذي جعله يظن أن التلامذة هم الذين أسسوا المذهب المالكي، فإن كان هذا فهو لا يصح لما تقدم.

فالإمام مالك - وغيره من أئمة المذاهب - قد وضعوا الأسس الأولى لبناء مذاهبهم الفقهية، ثم جاء التلاميذ فعملوا على تثبيت وتأكيد هذه الأسس والأصول المقررة صراحة أو ضمنا فيما نقل عن الأئمة. ويتجلى هذا التأكيد والتثبيت لأصول الأئمة عند تلاميذهم في إبراز قوة تلك الأصول، وبيان صلاحيتها لتحقيق ما جاءت الشريعة من أجله، وفي رد الفروع إلى أصولها، وبيان ارتباطها بها فإذا قيل عن التلاميذ إنهم مالكية، فإنهم مالكية في الأصول ومالكية في المنهج، ولكنهم لم يكونوا مقيدين كما يقيد المستفتي مفتيه، لأنهم كانوا ينظرون في الأدلة كما ينظر مالك ويستخرجون منها الفروع كما يستخرج، بدليل أنهم اختلفوا مع إمامهم اختلافا واضحا في مسائل كثيرة، ومع ذلك فإنهم فيما يرجع إلى حجية الأصول التي يرجع إليها في استخراج الأحكام الفرعية كانوا متبعين للطريقة الأصلية المنهجية التي وضعها الإمام مالك استقراء من سير الفقه على عهد الصحابة وعهد التابعين - رضي الله عنهم -. انظر في هذا [المحاضرات المغربيات] للشيخ محمد الفاضل ابن عاشور - رحمه الله -.

مخالفة بعض أئمة الاجتهاد لمالك

قال الإمام مالك - رحمه الله - ليس أحد بعد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم - إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت