الصفحة 90 من 142

صلى الله عليه وآله وسلم - واشتهر من قوله - رحمه الله: كلكم راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا، ويشير إلى قبره - صلى الله عليه وآله وسلم -.

قلت: - والله المستعان- إذا ثبت في حكم العقل ما تقدم، وعُلم ما ذكره أهل العلم في هذا المقام، فلا شك أن الإمام مالكا ممن يدخل تحت هذا القول، فيؤخذ من قوله ما وافق الحق عند الناظر فيه، ويترك الآخر لمخالفته الصواب، على هذا كان يسير أهل العلم في الصدر الأول من القرون المشهود لها بالخير، وكذا من سار على هديهم من أئمة المسلمين الناصحين لأمتهم إلى يومنا هذا.

قال الشيخ محمد الحجوي الثعالبي عن القرن الذي عاش فيه الأئمة المجتهدون- القرن الثاني الهجري- في كتابه الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 2/ 525، طبعة دار الكتب العلمية:(وكان هذا العصر زاهيا زاهرا بسادات كبار، أساطين الاجتهاد .... كانت لهم أخلاق عالية، وكمالات نفسانية، فلم يكن خلاف بعضهم لبعض مؤديا لتحقير أو تعصب أو تقاطع وتدابر، بل كانوا يثنون على المخالف لهم بالثناء الجميل، وتقدم ذلك في تراجمهم.

وغاية ما كان ينشأ عن الخلاف أن يعتقد أن خصمه - يعني مخالفه - مخطىء في تلك المسألة بعينها، لما قام عنده من الدليل على خطئه في ظنه، لافي كل المسائل، ويعتقد أنه معذور لما أداه إليه دليله، لانقص يلحقه في ذلك، ويعرفون لكل عالم حقه، ويقرون له بالفضل، ويحترمون فكره، وكان جميع العلماء مجتهدين لم يكن بينهم مقلد، ولا يقلد إلا العوام، فلم يكن الخلاف ضارا لهم ولا مشينا، بل كان سعيا وراء إظهار الحقيقة، فلذلك عددنا الفقه فيه شابا قويا).

إذا تبين هذا المعنى للقارىء الكريم- على ما فيه من الإيجاز والاختصار- فقول الشيخ محمد الأمين: غير أن بعض معاصري الإمام مالك عارضوه معارضة عنيفة. وخالفه ونقده بعض أصحابه، منهم الإمام الليث بن سعد فقيه مصر، وتلميذه الإمام الشافعي (في كتاب مشهور) حتى قال عنه أنه: «يقول بالأصل ويدع الفرع، ويقول بالفرع ويدع الأصل» . ولقد أرسل إليه صاحبه الليث بن سعد رسالة طويلة، ذكّرَهُ فيها بأن عمل المدينة لم يعُد سنّةً بعد، ولا يمكن أتباعه بعد عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين. فالصحابة خرجوا من المدينة بعد مقتل عمر، وتفرقوا في الأمصار، وبثوا فيها فقههم. لقد كان أوائل أهل المدينة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هم خير الأوائل، أما أواخرهم في زمن مالك، فلم يعودوا كذلك بعد.

قلت: فقوله هذا مما لا معني له في هذا المقام إلا التشغيب، لأن مخالفة من ذكرهم وغيرهم ممن بلغ مرتبة الاجتهاد للإمام وغيره = ضرورة يوجبها عليهم العلم الذي حملوه، وبيان ذلك مما لا يتسع له المقام الآن، وما أظن إخواننا في الملتقى يخطئون فهم هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت