الصفحة 91 من 142

قلت: ولكنني أفهم من هذا الذي ذكره الشيخ هنا غير ما تقدم فهمه بادي ذي بدء، وأزعم أنه ما أورده إلا ليؤكد ما سبق وقلته مرارا من أن الشيخ يريد أن يوهم قراء كلامه أن الإمام مالكا ليس بذاك في العلم والإمامة، والدليل عنده - غير ما تقدم في مقاله وغير ما يأتي - أن معاصريه عارضوه معارضة عنيفة، وخالفه ونقده بعض أصحابه، فمن كان هذا حاله عند الشيخ ما أظنه يراه يصلح للعلم فضلا عن الإمامة في الدين، إنما هو شيخ يفتي كما سبق ووصفه، ليس أكثر من ذلك، ولعل هذه - أيضا - مجاملة لأتباعه فقط، وإلا فالأمر أسوأ من هذا بكثير.

وقد فات الشيخ - وقد ألهاه التحامل على الإمام عن تدبر ما يقول وينقل- أن أهل العلم في زمان الإمام وغيره ما كانوا ليلقوا بالا لمن ليس في مقامهم، ولا يقال - عند العقلاء - إنهم خالفوه أو نقدوه إلا وقد بلغ شأوا بعيدا في العلم والفضل، فعاد ما أراده الشيخ من عاد مدحا للإمام ورفعة لشأنه. فالعالم أو الكريم أو العاقل من عدت سقطاته، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه.

ولم يسم الشيخ من هم الذين عارضوا الإمام معارضة عنيفة، وهم لا يخفون عليه لأنه قد سبق له ذكرهم، ولكنه هنا يعمي على القراء أنبأهم حتى يظنوا أنهم غيرهم وما ثم غير.

وعد الشيخ ممن خالف الإمام ونقده الليث ابن سعد - رحمه الله - وهو حق، وكان ذلك في غاية الأدب والإجلال للإمام حتى عد رده في تلك الرسالة نموذجا رائعا من أدب الاختلاف بين أهل العلم، الأدب الذي عدم في زماننا هذا. وحل محله ما علمه كافة العقلاء، من تطاول على الأئمة، وتعالم ...

ومما جاء في آخر رسالة الإمام الليث إلى مالك - رحمها الله - ... وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك مع استئناسي بمكانك، وإن نأت الدار. فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك فاستيقنه ...

ثم ما ذكره الشيخ عن الإمام الشافعي وما أدراك ما الشافعي- رحمه الله - وأدبه مع أستاذه، أنه قال عن الإمام مالك: يقول بالأصل ويدع الفرع ولم يبين لنا أين يقوله، وما مناسبة قوله، وما معنى ذلك وما المراد به؟!! وأنا أتبرع بذكر بعض ذلك عن الشيخ، فإن لم يعجبه، فليصححه مشكورا.

ولا يخدعنك - أيها القارىء الفطن - عطف هذه العبارة على قوله: في كتاب مشهور، فتظن أنها في كتاب [اختلاف مالك والشافعي] الذي يعنيه الشيخ بقوله: في كتاب مشهور، قلت: الأمر ليس كذلك، وإنما ذكر هذه العبارة الإمام البيهقي في كتابه [مناقب الشافعي] 1/ 509، تعقيبا على ما ذكره عن محمد بن عبد الحكم الذي قال فيه: (لم يزل الشافعي يقول بقول مالك ولا يخالفه إلا كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت