فهرس الكتاب
المجتهدين، فمالك يرى فتوى الصحابي - باعتباره سنة - أصلا يحتج به، فيقدمه أحيانا على الخبر- مع شروط أخرى- إذا كان ظاهرهما التعارض عنده، والشافعي يخالفه في ذلك ولا يقدم على الخبر شيئا، وهكذا القول في عمل أهل المدينة، والمصالح المرسلة، مالك يراها أصولا يحتج بها والشافعي ينكر ذلك وهي عنده فروع، هذا معنى كلامه والله أعلم. وكانت هذه المسألة-اختلاف أدلة الأحكام- قد شغلت الإمام الشافعي - رحمه الله - بسبب اتصاله بمختلف المذاهب، ورأى بعضا من مخالفاتهم لما صح من الحديث بسببها، فقام يوضح منهجه فيما ينبغي سلوكه في التعامل مع ما ظاهره التعارض من الأدلة الشرعية، فدون بعضه في كتابه [الأم] الذي من جملته كتاب [اختلاف مالك والشافعي] وكتاب [الرد على محمد بن الحسن] ثم أفرد لذلك كتابا ماتعا سماه [اختلاف الحديث] ، بين فيه منهجه المعروف في التعامل مع الأحاديث التي ظاهرها التعارض، ثم انتقل الإمام الشافعي في نظرة أوسع مما تقدم يبين طرائق الاجتهاد والاستدلال المختلفة والمتفقة مقررا ورادا، في كتابه العظيم [الرسالة] في أبواب من البيان، هي من روائع الإمام - رحمه الله- علما ومنهجا وأسلوبا، كان فيها أول من أبرز قواعد الفقه وأصوله، بعد أن كانت متناثرة مفرقة عند السابقين من أئمة الفقه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
هذا إجمالا ما يدور حوله كلام الإمام الشافعي المتقدم، ولا يذهبن الظن بالقراء الكرام أن الإمام مالكا يرد الأصل بفرع فقهي مثلا، بل الفرع عند الإمام الشافعي هنا المراد به عمل أهل المدينة، أو فتوى الصحابي، أو أقوال التابعين، أو المصالح المرسلة، في تفصيل ليس هذا موضعه. فهذه أصول عند من يرد بها الآثار، وفروع عند من لا يراها حجة ويقدم الحديث الصحيح عليها. وانظر كتاب مالك لأبي زهرة - رحمه الله - ففيه شيء من البسط في هذا.
شيء من منهج الإمام في التعليم وجواب المسائل
في هذا المبحث الجديد يتكلم الشيخ محمد الأمين على طريقة الإمام في الفتوى، وطريقته في التعامل مع أصحاب الأسئلة، وصفة مجلسه، فيقول: وكان إسلوب مالك في الإفتاء بأن يجيب بنعم أو لا، حلال أو حرام. ولم يكن يذكر أدلة على أقواله. قال أبو مصعب (أحد رواة الموطأ) عن مالك: «كان يقول:"لا"، و"نعم"، ولا يُقال له:"من أين قلت ذا؟"» . بل كثيرًا ما يذكر الحديث الصحيح في موطأه ثم يعلن بصراحة رفضه العمل به، دون أن يُبيّن مبرره في ذلك. وهذا مما أثار عليه نقمة بعض أهل الحديث، بما فيهم ابن أبي ذئب (أحد كبار فقهاء المدينة) وأفتى فيه الفتوى التي نقلها وأيدها الإمام أحمد بن حنبل، كما سبق ذكره.