الصفحة 94 من 142

قلت: لو قيد الشيخ الشطر الأول من عبارته بقوله: كان من إسلوب مالك، كان أليق، لأن كل من كان له شيء من الإلمام بكتب أمهات المذهب المالكي التي نقلت أقوال الإمام يجد الإمام يذكر جوابه عن الفتوى بجمل كاملة تامة، فيها شيء من التفصيل كلما احتاج لذلك، ولا يجد لكلمة لا أو نعم ذكرا إلا فيما نذر. وجواب الإمام أحيانا بقوله: نعم أو لا وعدم مراجعة أحد لذلك الجواب، كل ذلك راجع لثقة الناس التامة بعلم الإمام، ولشدة هيبته في قلوبهم، التي أورثها له شدة تمسكه بدينه، وقوة علمه، وتجافيه عن كل مالا يليق بأهل العلم هذا أمر مشهور معروف في ترجمة الإمام.

وأما قوله: حلال أو حرام، فلعل الشيخ يصف نفسه، أو بعض مفتي زمانه من المتعالمين، أما الإمام مالك وإخوانه من أهل العلم في وقته- ومن اتبع سبيلهم من أئمة زماننا - فكانوا يتورعون أشد الورع عن هذه الألفاظ، وكانت أقل من القليل في أجوبتهم. وإنما يقولونها فيما استيقنوه من كلام الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -.

قال ابن وهب: - رحمه الله - (سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا) . وانظر في بسط هذا إعلام الموقعين 2/ 74 - 83. طبعة الشيخ مشهور. وفي طريقة مالك في الفتوى انظر الموافقات 5/ 324 وما بعدها.

وقوله: ولم يكن يذكر أدلة على أقواله. قلت: كلام الشيخ عن هذه المسألة بهذا النفي -هنا- وفي مواطن أخرى، يوهم القراء إيهاما شديدا أن الشيخ يريد أن يقول: إن المالكية لا دليل لهم على ما أفتوا فيه من مسائل الشريعة، وبالتالي هم يعبدون الله على وحتى إمامهم معهم في ذلك، بل هو الذي سن لهم ذلك. فإن كان الشيخ يعني ذلك فليصرح به ولا يخفى ما الله مبديه.

وإن كان الشيخ يقصد أن للإمام ولتلاميذه من بعده أدلة على فقههم أسوة بغيرهم من أصحاب المذاهب المتبعة، كانت حاضرة في أذهانهم عند الجواب عن الفتاوى الشرعية، وعند تأليفهم لكتبهم، ولكنهم لا يذكرون ذلك في الحالين لأسباب. فنقول له: نعم إن بعض ذلك كائن ولا ننكره، بل هو أمر مشهور بين الباحثين المعاصرين خاصة، وكثيرا ما يدندنون حوله. ولكن قليل منهم من تعرض لدراسة هذه الظاهرة دراسة مستوعبة متأنية. مبينا أسبابها، كاشفا عن حقيقة منهج الإمام في ذلك.

والذي يتبين من خلال دراسة منهج الإمام التعليمي أنه كان يسير على خطة اختطها لنفسه، إليك - أيها القارىء الكريم - معالمها باختصار.

الأول: قسم الإمام مجلسه العلمي قسمين: قسم لإملاء الحديث النبوي، وله استعداده الخاص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت