الصفحة 95 من 142

الذي اشتهر به الإمام. وقسم للإجابة على المسائل. قال مطرف: كان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا: المسائل خرج إليهم فأفتاهم، وإن قالوا: الحديث، قال لهم اجلسوا، ودخل مغتسله فاغتسل وتطيب ... المدارك 2/ 14.

الثاني: أنه عند الإجابة على المسائل كان لا يتبعها بأدلتها غالبا، وهو يقصد ذلك، وإن كانت المسألة ليست عارية عن الدليل عنده، ويبدو أن ذلك لأسباب كثيرة منها: ما جاء في ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، قال: كنت أسأل مالكا عن القول يقوله: من أين قاله؟ فصلى يوما إلى جانبي، فقال لي: يا أبا هاشم، إنك تكرم علي، وتسألني عما لا أجيب عليه الناس، فإن أجبتك اجترءوا علي، وأحب أن لا تفعل، ولكن اكتب ما تريد من المسائل، وابعث بها تحت خاتمك، أجبك فيما أمكنني - إن شاء الله -. فانصرفت مسرورا، وقلت لأصحابنا: اكتبوا مسائل، فكتبناها في نصف طومار، وختمت عليها ووجهتها إليه. فأقامت عنده أربعة أشهر، فجاءتني بخاتمه بعد ذلك، وقد أجاب في ثلث تلك المسائل، وقال في باقيها لا أدري. المدارك 3/ 7. ومن هذه الأسباب ما جاء في رواية أبي مصعب التي ذكرها الشيخ محمد الأمين مبتورة - كعادته - و كان فيها بعض الجواب عن عدم ذكر الإمام للأدلة مع أجوبته= لو دقق الشيخ وقرأ قراءة بحث وإنصاف، فقد ذكر الإمام أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل1/ 26 [باب ما ذكر من جلالة مالك بمدينة الرسول وقدمه في العلم] ، بإسناده إلى أبي مصعب قال: كانوا يزدحمون على باب مالك، فيقتتلون على الباب من الزحام، وكنا نكون عند مالك فلا يكلم ذا ذا ولا يلتفت ذا إلى ذا، والناس قائلون برؤوسهم هكذا، وكانت السلاطين تهابه وهم قائلون مستمعون، وكان يقول في مسألة: لا، أو نعم ولا يقال له من أين قلت ذا.

هذا هو النص الكامل لهذه الرواية، والشيخ إنما نقلها فيما يبدو من السير، وهي فيه كاملة أيضا مع اختلاف يسير 8/ 100، فهل هذه الحال التي عليها الإمام تسمح له بذكر الأدلة على أجوبته حتى لو أراد ذلك؟! ومن هذه الأسباب وهو المعلم الثالث في منهج الإمام التعليمي:

الإقلال من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في المجلس الواحد، فقد اشتهر الإمام بذلك وكان يعلمه تلاميذه، فلم يكن الإمام يذكر دليل ما يفتي به، لأنه كان يسأل كثيرا في المجلس الواحد، فلو ذكر لكل سؤال يجيب عنه حديثا واحدا فقط وقع فيما يخالف منهجه في الإقلال من الحديث. ثم لأضطر لأخذ الاستعداد لذلك بالتطيب والإغتسال الذي كان يلازمه عند رواية الحديث، ولايخفى ما في ذلك من المشقة على الإمام.

ثم يضاف إلى ذلك ما عرف به الإمام - رحمه الله- عند جميع الأمة من أنه إمام - وليس شيخا يفتي- ثقة، حجة وافر العدالة، متين الديانة تام الورع، صحيح الحديث نقي الرجال، ثاقب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت