فهرس الكتاب
الذهن عاقلا. متثبتا متأنيا في فتواه، شديد الحذر، يمكث أحيانا أياما حتى يجيب سائله، وربما امتنع عن الإجابة، حتى اشتهر عنه قول: لا أدري. قلت: هذه الصفات وغيرها أورثت الإمام الثقة التامة عند تلاميذه وسائليه فيما يقوله، وفيما يرويه، وتمنعهم من مساءلة مالك عن أصل ما جاء به، ومراجعته فيه. فكانوا يقبلون عنه كل ما يقوله ويفتيهم به بثقة تامة.
ولا أغادر هذا المقام حتى أذكر للشيخ أرقام بعض الصفحات من كتاب البيان والتحصيل، ذكر فيها العتبى بعض إجابات الإمام عن المسائل مع ذكر الإمام للدليل على قوله، وهذا الدليل إما من القرآن، وإما من السنة، أو من عمل الصحابة، أو احتجاجا بقاعدة عامة من قواعد الشريعة وهي من الجزء الأول فقط، ولو تتبع متتبع العتبية وغيرها لوجد لذلك الكثير من الأمثلة التي تنقض تعميم الشيخ. 62/ 79/98/ 113/116/ 128/131/ 392/399/ 451/492 وغير ذلك.
ثم قال الشيخ محمد الأمين: بل كثيرًا ما يذكر الحديث الصحيح في موطأه ثم يعلن بصراحة رفضه العمل به، دون أن يُبيّن مبرره في ذلك. وهذا مما أثار عليه نقمة بعض أهل الحديث، بما فيهم ابن أبي ذئب (أحد كبار فقهاء المدينة) وأفتى فيه الفتوى التي نقلها وأيدها الإمام أحمد بن حنبل، كما سبق ذكره.
قلت: - هداك الله يا شيخ محمد - لا أدري - والله - أين سيصل بك هذا التحامل على الإمام - رحمه الله - ولا أريد أن أقول أكثر من هذا، فهلاّ إذ ادعيت على الإمام هذه الدعوى العريضة، شفعتها بقليل من هذا الكثير الذي رفض فيه الإمام العمل بالحديث الصحيح دون أن يبين مبرره في ذلك. فما معنى هذا - الوهم والإيهام - يا شيخ محمد؟!! ألم تقرأ فيما قرأت أن الأئمة الثقات لا يفعلون هذا البتة، ألم تقرأ قول ابن عبد البر- رحمه الله - وأنت تحتج بنقله السابق الذي ذكره عن الإمام الليث - رحمه الله- في المسائل التي أحصاها على مالك، ألم تقرأ تعقب ابن عبد البر ذلك بقوله: (قال أبو عمر: ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثا عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم يرده دون ادعاء نسخ ذلك بأثر مثله أو بإجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته فضلا عن أن يتخذ إماما، ولزمه اسم الفسوق، ولقد عافاهم الله من ذلك) . جامع بيان العلم 2/ 1080 - 1081.
وقد قراء الناس عالمهم وعاميهم، محبهم ومبغضهم، قول شيخ الإسلام وعلم الأمة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية - رحمه الله - في مقدمة رسالته [رفع الملام عن الأئمة الأعلام] ففرحوا به واحتجوا به، وذلك قوله: (وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة- المقبولين قبولا عاما- يتعمد مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب إتباع الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا