فهرس الكتاب
رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه). ثم فصل ذلك، وبين أعذارهم - رحمهم الله رحمة واسعة -.
ألم يطرق هذا الكلام سمعك من قبل أيها الشيخ الجليل فقلت: ما قلت؟!! أم ماذا؟.
فأنت - يا شيخنا - أمام خيارين على طريقة ابن حزم- رحمه الله: إما أن تقر بأن للإمام - في اجتهاده، وعند نفسه - عذرا فيما خالف فيه الحديث الصحيح، رضيه منه أهل العلم- ولذلك أجمعوا على عدالته- وإن لم يوافقه البعض في نتائجه، والاحتجاج بما احتج به في ذلك. وعليه يصبح كلامك السابق لا معنى له ويجب عليك حذفه البتة، والإعراض عن هذه الأساليب .... وإما أن تقول لا عذر لمالك في ذلك، ونلزمك بلازم قولك لمخالفتك إجماع الأمة على عدالة الإمام وديانته التي تمنعه من أن يخالف قول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- بدون عذر، هذه العدالة التي أصبحت مضرب مثل عند علماء الأمة - وخاصة علماء الحديث منهم- وما أراك قرأت من كتاب الخطيب [الكفاية] إلا قول النسائي في لحن الإمام، أما قوله في باب [في المحدث المشهور بالعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المعدل] فإنك لا تريد أن تقرأه، فهل تدري - يا شيخ بمن بدأ الخطيب - رحمه الله- في ذكر من اشتهر بالعدالة حتى استغنى بذلك عن المزكين، لقد بدأ بمالك في أئمة آخرين- رحمهم الله- ثم عقب على ذلك بقوله: (ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر، واستقامة الأمر، والاشتهار بالصدق، والبصيرة والفهم، لا يسأل عن عدالتهم ... ) . وقد تقدم في التعقيبات السابقة، وطرق سمعك قول الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ في أشياء اجتمعت في مالك ما علمها اجتمعت لغيره، منها: ورابعتها: تجمعهم على دينه وعدالته وإتباعه السنن.
فاختر لنفسك أي الخطتين تريد يا شيخ محمد، وما أراك إلا معرضا عن كلمي هذا، وقائلا: ما هذا أردت، ولا لهذا قصدت، وقد حملتم كلامي ما لا يحتمل، ولكن بيننا وبينك أهل العلم، وطلبته الأقوياء، هم وحدهم من يعرف معنى هذا الكلام الذي تفوهت به، ويفطن للوازمه، وما يترتب عليه، يعينهم في هذا سوابق كلامك ولواحقه، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وأما كلام ابن أبي ذئب - رحمه الله - وتقوّلك على الإمام المبجل أحمد بن حنبل في ذلك ما لم يقله، فقد سبق إبطاله، والملتقى أنت والأئمة بين يدي حكم عدل. فأعد للسؤال جوابا - يا شيخ محمد -.
ثم قال الشيخ محمد الأمين يصف مجلس الإمام مالك - رحمه الله: وكان مالك إذا سُئِل سؤالًا لم يعجبه، يقوم بطرد السائل. مما نشر الخوف في مجلسه، وأكسبه هيبة كبيرة، فلا يجرئ أحد على سؤاله أو مناقشته. قال الذهبي: «كان رجلًا مهيبًا نبيلًا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع الصوت. وكان الغرباء يسألونه عن الحديث فلا يجيب إلا في الحديث بعد الحديث ... كان له كاتب قد نسخ كتبه -يقال له حبيب- يقرأ للجماعة. فليس أحد ممن يحضره، يدنو ولا ينظر في