الصفحة 98 من 142

كتابه ولا يستفهم هيبة لمالك».

قلت: عجبا للشيخ محمد - وكل أمره عجب - كيف تتحول الفضائل عنده إلى سيئات، وما كان يعد من محاسن أهل العلم، يصبح عنده مأخذا يؤخذ عليهم. ماذا تريد يا شيخ محمد من الإمام أتريد من مجلسه أن يكون على العكس مما وصف لك؟ فهل يليق بأهل العلم ذلك ـ بارك الله فيك ـ؟!

الإمام مالك يا شيخ محمد كان مربيا عالما، قبل أن يكون راوية للحديث، ومجيبا عن أسئلة الناس، فكان تلامذته يتأدبون بأدبه، كما يأخذون من علمه، ويستفيدون من شمائله، كما يستفيدون من رواياته. قال ابن وهب: الذي تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه. وبقي يحيي بن يحيي النيسابوري بعد أن فرغ من السماع من الإمام سنة أخرى عنده فلما سئل في ذلك قال: (إنما أقمت مستفيدا لشمائله فإنها شمائل الصحابة والتابعين) . ومن كان في مثل هذه الحال، وتلك نظرة الناس إليه توجب عليه من التحفظ لنفسه والتحرز ما لا يتوجب على غيره.

أما عن طرده لبعض السائلين، فإنما ذلك يرجع لما تقدم من تربية مستمعيه على تقدير ما يحملونه من علم، وتأديبهم على شدة احترام حديث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وترك الإكثار من الحديث خشية الخطأ فيه، والسؤال عما يرتجى نفعه، وتجنب الإكثار من المسائل. والسؤال عن المسائل التي وقعت فعلا واجتناب السؤال عن المسائل الافتراضية، وغير ذلك مما عرف من منهج الإمام في حياته وتعلمه وتعليمه، فمن خالف ذلك زجره الإمام وأدبه. فلم يكن يطرد السائل بمحض التشهي، أو حسب مزاجه - كما يقولون اليوم -. ونختم هذا بما روي عن أبي نوح ومصعب الزبيري: ذكر مالك يوما شيئا، فقلنا له: من حدثك بهذا؟ قال: إنا لم نجالس السفهاء. قال الإمام أحمد - رحمه الله: ليس في فضائل العلماء أجل من هذا. كل ما تقدم مذكور في المدارك.

رأي الشيخ محمد الأمين في المالكية قاطبة

ثم عمم الشيخ محمد الأمين ظلمه وتحامله وتجنيه على تلاميذ الإمام، ومن اتبع الإمام إلى يومنا هذا الذي نحن فيه، ولم يستثن إلا من ذكرهم في كلامه على استحياء، فقال:

وهذا انسحب بعده على تلامذته. فتراهم يكرهون المناظرة ولا يعرفون إيراد الأدلة، إلا بعض العراقيين منهم (أو من درس عليهم) فقد اضطروا لذلك تبعًا لبيئة العراق (كعبد الوهاب والباقلاني) . لكن أتباع المدرسة العراقية المالكية هم قلة انقرضت، وصار المذهب المالكي (إجمالًا) مذهب غرب إفريقيا فحسب، ولم يعد هناك مالكية مشارقة (والنادر لا حكم له) . فالسمة الغالبة للمالكية، قلة النظر في الأدلة وكراهة المناظرات مع الخصوم. فلما أتاهم ابن حزم وناظر كبرائهم في الأندلس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت