فهرس الكتاب
والمغرب، وطالبهم بالأدلة من الكتاب والسنة على آراء مالك، ما استطاعوا أن يجدوا أدلة. ويصف ذلك الوضع بدقة القاضي المالكي الإشبيلي أبو بكر بن العربي في كتابه"القواصم والعواصم"، فيقول عن ابن حزم: «واتفق كونه بين قومٍ لا بصر لهم إلا بالمسائل. فإذا طالبهم بالدليل كاعوا! فيتضاحك مع أصحابه منهم» . وبقي هذا الوضع إلى اليوم. وهذا واضح في ما كتب على مختصر خليل ومتن ابن عاشر ورسالة ابن أبي زيد، وهذه المتون الثلاثة هي العمدة عند المتأخرين في بلاد المغرب. فلما حاول الدكتور وهبة الزحيلي كتابة موسوعته الفقهية، فوجئ بعدد كبير من مسائل المالكية ليس له دليل إلا"قال مالك"!!
قلت: صدق الحافظ - رحمه الله - إذ قال: إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب، كذلك الحال بالنسبة للشيخ محمد الأمين، فهو يؤكد لنا بعد كل فقرة من كلامه عدة أمور منها: عدم معرفته بالمذهب المالكي فضلا عن عدم معرفته برجالاته، فلو كان للشيخ شيء من الإلمام بأعلام المذهب على مر القرون السالفة، ونظر ولو قليلا فيما تركوه من تراث علمي، بل لو قرأ حتى بعض عناوينه، ما كان ليقول هذا الكلام، فيا الله كيف بقي هذا المذهب إلى يومنا هذا، لولم يكن له رجال دونوا أصوله، وذبوا عنها، وخرجوا على مسائله، وقعدوا له القواعد، وجمعوا نظائره، وبينوا الاختلاف والافتراق في مسائل المذهب، وحفظوا تراجم رجالاته. الذين شهروا ورجحوا، وجمعوا أسمعتهم عن الإمام وأجوبته عن المسائل، وأجوبة تلاميذه وتخريجاتهم علي مسائل إمامهم، في كتب تعرف ب [أمهات المذهب] وأعظمها [المدونة السحنونية] فكم من شارح لها ومهذب، ومعلق ومختصر، وغير ذلك كثير فمن الذي كان يبين الأحكام الشرعية لكل المسائل الاجتماعية والاقتصادية وغيرها في الغرب الإسلامي ابتداء من مصر وحتى البحر المحيط، في ظل تلك الدول المتعاقبة التي حكمت تلك المناطق، أليس المذهب المالكي، وهل يتأتى له ذلك لولا كفاءة علمائه، وقدرتهم الفائقة على الاجتهاد والتخريج والتفريع، ومعرفتهم التامة بطرائق الاستدلال، أم أن سكان تلك الربوع كانوا يستعيرون قضاتهم ومفتيهم من أتباع الأئمة الآخرين، ويتمسكون اسميا بالمذهب المالكي، بين لنا يا شيخ محمد معنى كلامك هذا جيدا، واثبت فيه على حالة واحدة، فإما لا يعرفون إيراد الأدلة، وإما يغلب عليهم قلة النظر في الأدلة، وبينهما فرق لا يخفى.
فقولك: [فتراهم يكرهون المناظرة، ولا يعرفون إيراد الأدلة] ، فلو أحسنا بك الظن يا شيخ محمد في الجملتين، لقلنا إن التعبير خانك في كليهما، فأنت تعني بالأولى: يكرهون الجدل والمراء في دينهم وهذه - رعاك الله - خلة أخذوها من إمامهم، الذي كان هديه هدي الصحابة والتابعين، فأي ضير عليهم في هذا؟!. و تعني بالثانية: أنهم لم يتعودوا إيراد الأدلة، مع علمهم بها لأسباب، أو كانوا يتركون إيراد الأدلة على مسائلهم طلبا للاختصار، أو لثقة الناس بعلمهم وأمانتهم أو نحو ذلك.