عن إبراهيم عن ميمونة، كما هي عادته فيه. وفي الوقت ذاته شرح البخاري اختلاف الرواة على ابن جريج حتى رجح عدم ذكر ابن عباس في حديثه. وتأيد ذلك بنصوص النسائي والدارقطني.
بينما يذهب الأستاذ إلى أن البخاري لا يعلم أن الرواة عن الليث متفقون أو أنهم مختلفون، وأنه لا يعلم سوى رواية واحدة عن الليث، وهي التي ذكرها في التاريخ. وحجته في ذلك أن البخاري لم يذكر في التاريخ سوى رواية عبد الله بن صالح عن الليث. ولو أنه كان يعلم رواية قتيبة التي رواها مسلم بذكر ابن عباس (حسب زعم الأستاذ طبعا) لذكرها، إذن فالبخاري لا علم له برواية قتيبة. ومن المعلوم أن الأئمة يتفاوت علمهم زيادة ونقصا، ويفوت بعضهم ما عند الآخر، وحتى كبار الصحابة فاتهم ما علمه صغارهم، بل فات البخاري فعلا من الروايات ما حفظه الترمذي من الأحاديث.
أو إن البخاري يعلم الروايات كلها غير أنه نسي في التاريخ الكبير رواية قتيبة، لأن الناس من طبيعتهم أن ينسوا.
هذا هو منطق الأستاذ وأسلوبه في التعامل مع نصوص النقاد في نقد الروايات، وهو - كما ترى - مبني على منهج الاحتمالات والتجويزات العقلية التي يلجأ إليها عادة غير المؤهلين. ويستغرب صدور ذلك من الأستاذ الذي تخصص في الحديث وعلومه، وقام بالتدريس في الجامعة الإسلامية ومناقشة الرسائل، حتى أصبح رئيس قسم الدراسات العليا وتحصل على أعلى درجة أكاديمية.
وما قاله الأستاذ يكون مقبولا جدا لو كنت أدعي عموما أنه لا توجد رواية عن الليث غير رواية عبد الله، بحجة أن البخاري لم يذكر في التاريخ سواها، وجعلت مجرد سكوته دليلا على العدم.
وأما حين أقول له: - بناء على عادة البخاري في تاريخه الكبير، وعلى منهجه في نقد الأحاديث- إن البخاري أفادنا من خلال روايته عن عبد الله بن صالح عن الليث في التاريخ الكبير أن حديث الليث ليس فيه ابن عباس في جميع رواياته التي يعلمها، ولو يعلم اختلافا بين الرواة لذكر وجها واحدا مخالفا لحديث عبد الله، كما عمل في حديث ابن جريج. فيقول لي الأستاذ إن البخاري لا يعلم رواية قتيبة التي تخالف رواية عبد الله بن صالح، أو أنه يعلمها لكنه نسيها، بناء على مجرد الاحتمال والتجويز العقلي، دون أن يأتي بنص واحد له أو لغيره من الأئمة يدل على نسيانه أو جهله، ثم يسرد التاريخ ليثبت أن ذلك محتمل في حقه، فليس ذلك من آداب الحوار العلمي الهادف، وإنما هو أسلوب غوغائي يريد به الشغب، وقياس فلسفي لا مكانة له في المجالات العلمية، لا سيما في الحديث وعلومه.
وإلى جانب هذا أن النسائي وافق البخاري في ذلك حين صرح بقوله: رواه الليث ولم يثبت فيه ابن عباس. وكذا الدارقطني أطلق ذلك في كتابه (التتبع) ، وأمامه حديث مسلم عن قتيبة الذي يزعم الأستاذ أنه عن ابن عباس.