فهل من المعقول أن تُرد أقوال النقاد بناء على ما صحفه بعض النساخ في صحيح مسلم، أو على احتمال أن يكون تصحيفا على أقل الأحوال؟!! مع أن نسخ صحيح مسلم الأخرى التي تداولها الأئمة سلمت من ذلك التصحيف.
وهل يمكن أن يتحول الإنسان العاقل في أثناء الحوار إلى الانشغال بالتساؤل الخيالي أو الجدلي، تبريرا لرفض نصوص النقاد وآرائهم المؤسسة على الحفظ والمعرفة والفهم؟!
وهل من المنطق أن يجعل مجرد سكوت البخاري عن شيء دليلا على أنه نسيه أو جهله؟!
وهل يكون التصحيف من بعض النساخ دليلا على أن البخاري نسي أو جهل؟!
وإذا سلك الأستاذ هذا المسلك لم يبق حديث واحد من السنة إلا وقد ضعفه، ولا تصحيح النقاد ولا تضعيفهم إلا وقد رده جملة وتفصيلا لأن حجته في ذلك أنه يحتمل أن يكون هناك حديث مخالف لم يعلمه الراوي، أو أنه حَكَمَ بخلافه ناقد آخر؟! أو يحتمل أن يكون الراوي قد نسي أثناء روايته للحديث؟! أو يحتمل أن يكون النقاد قد نسوا أو جهلوا طرقا أخرى؟!
أ وليس هذا بعينه منطق المعتزلة في ردهم لخبر الآحاد؟!.
وعلى أسلوب الأستاذ الفاضل فما ورد عن أبي هريرة أو عمر أو أبي بكر أو ابن مسعود من الأحاديث لا يفيد اليقين إذن؟! لأنه يحتمل أن يكون له حديث معارض في المسانيد أو المستخرجات أو دواوين السنة التي لم نطلع عليها، لا سيما وأنه تساءل بقوله:
''هكذا بكل قوة يؤكد ما تضمنته هذه الفقرة كأنما جاءه بهذا جبريل من رب العزة والجلال الذي أحاط بكل شيء علما ''.
ويفهم من هذا أنه لا يفيد اليقين إلا إذا جاء به جبريل من رب العزة.
ما هكذا تورد يا سعد الإبل؟!.
لا ينبغي في الحوار اللجوء إلى الدعوى بالاحتمال، ولا يكون الاحتمال دليلا على المخالف إلا إذا ادعى الاستحالة. وكان ينبغي على الأستاذ أن يثبت بالدليل أن البخاري لا يعلم رواية قتيبة أصلا، أو أنه نسيها، ويأتي من نصوصه أو نصوص الآخرين، ما يدل على ذلك. أما أن يعتبر سكوت البخاري عن رواية قتيبة وغيره دليلا على جهله بها، مع أنها مشهورة لدى معاصريه، فغير مقبول.
أما أنا فقد ذكرت له أن البخاري أثبت في التاريخ الكبير اتفاق الرواة على عدم ذكر ابن عباس في حديث الليث، وأن إبراهيم إنما روى عن ميمونة، وليس عن ابن عباس.
وذلك لأمور؛ منها:
أن عادة البخاري وغيره من النقاد إذا لم يعرفوا حديثا إلا من وجه واحد أن يستغربوه، ويقولوا: ''هذا حديث فلان لا نعرفه إلا من هذا الوجه''، كما قال محمود بن غيلان والبخاري والنسائي في الأمثلة التي أتى بها الأستاذ. وللأسف لم ينتبه الأستاذ إلى أن هذه الأمثلة التي ساقها كانت حجة عليه؛