الصفحة 104 من 454

إذ لو كان كل منهم لا يعرف الحديث إلا من الطريق الذي رواه لاستغربه كما وجدنا في تلك الأمثلة. بل رأينا البخاري يستدل بحديث عبد الله على أن إبراهيم إنما روى عن ميمونة، وليس عن ابن عباس.

ثم إني لم أكن أدعي أنهم يعلمون كل ما ورد في حديث الليث من الروايات بناء على أنهم يحفظون جميع الأحاديث والروايات، حتى يتعب الأستاذ نفسه بسرد تلك الأمثلة ليبرهن على عدم استيعابهم جميع السنن.

ومن الأمور التي تدل على عدم ثبوت ابن عباس في رواية الليث: نصوص صريحة للنسائي والدارقطني على أن الليث رواه بدون ابن عباس. والنسائي ممن رواه عن قتيبة مباشرة بدون ابن عباس، والدارقطني ممن تتبع أحاديث مسلم ومنها حديث قتيبة هذا الذي نحن بصدده.

ومنها أيضا: أن النقاد لا يحتجون بالرواية الغريبة الشاذة فيما يتصل بالحديث أو الإسناد. وهنا فقد استدل البخاري بحديث عبد الله عن الليث مع الروايات الراجحة عن ابن جريج على أن إبراهيم إنما رواه عن ميمونة.

ومنها أيضا: أن عادة البخاري في التاريخ - كغيره من النقاد - أن يكتفي بذكر وجه واحد في حال اتفاق الرواة عن شيخهم. وإذا ذكر رواية عن محدث واكتفى بها ثم ذكر وجوه الاختلاف على محدث آخر فمعنى ذلك أن الرواة لم يختلفوا في الرواية عن المحدث الأول وإلا ما اقتصر على وجه واحد.

إذا كان بعض النقاد في مجال النقد يعلق بصيغة الجزم ويقول مثلا: روى الليث، مثل ما رأينا عند النسائي والدارقطني، فإن الآخر يروي الحديث باستيعاب طرقه كما عمل الدارقطني في العلل، أو يرويه بلا استيعاب؛ كما عمل البخاري في التاريخ وابن أبي حاتم في العلل.

وعلى الأستاذ الذي لا يقبل هذا الواقع أن يأتي بالأدلة الناصعة البعيدة عن النزاع، ولا ينبغي له أن يقول: إنه يحتمل أو يجوز. ونحن غير مستعدين لرفض كلام النقاد بناء على هذه الاحتمالات المجردة والبعيدة.

ومن الذي أنكر احتمال النسيان على الأئمة حتى يأتي الأستاذ بأمثلة من التاريخ!

ولو فرضنا جدلا أن البخاري لم يعرف إلا ما ذكره في التاريخ الكبير، وفاته حديث قتيبة الذي رواه مسلم، فما الذي ثبت لدى الأستاذ حتى يرد قوله؟!

أما رأيت من الروايات ما يؤيد صحة استدلاله على رواية إبراهيم عن ميمونة، بدون ذكر ابن عباس؟!.

ألا ترى الإمام النسائي رواه عن قتيبة مباشرة بدون ابن عباس، ثم قال: ''رواه الليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة''؟!.

ثم يأتي الدارقطني يوافقه أيضا بعد تتبع أحاديث مسلم، ومنها حديث قتيبة وابن رمح الذي يزعم الأستاذ أنهما روياه عن ابن عباس عن ميمونة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت